الوجبات المفتوحة، الخروج مع الأصدقاء إلى مطاعم جديدة، أو قضاء ليلة طويلة أمام المسلسلات والأفلام، كلها مواقف قد ترتبط عند كثيرين بتناول كميات أكبر من الحاجة، ثم الشعور بالثقل والانزعاج. لذلك من المهم فهم معنى الإفراط في الأكل، ولماذا يحدث، وكيف يمكن التحكم في الشهية بطريقة صحية ومتوازنة.
تنبيه مهم: بعض الأشخاص يعانون من اضطرابات الأكل، وقد يكون موضوع الإفراط في الطعام مرتبطًا لديهم بتجارب مؤلمة أو ضاغطة نفسيًا. إذا كانت هذه المشكلة تؤثر في حياتك اليومية أو حالتك النفسية، فاستشارة مختص خطوة ضرورية. الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.
ما هو الإفراط في الأكل؟
الإفراط في الأكل يعني الاستمرار في تناول الطعام رغم الوصول إلى الشبع. أي أن الجسم يكون قد حصل على حاجته، لكن الشخص يواصل الأكل حتى ينهي الكمية الموجودة أمامه. قد يحدث ذلك مثلًا مع الشوكولاتة، الوجبات السريعة، رقائق البطاطس أو الحلويات، حيث يصعب التوقف قبل نفادها بالكامل.
هذه الظاهرة شائعة جدًا، ولها جانب بيولوجي واضح. فعند التعرض للضغط النفسي، يفرز الجسم كمية أكبر من هرمون الكورتيزول، المرتبط باستجابة “المواجهة أو الهروب”. وارتفاع هذا الهرمون قد يدفع الشخص إلى البحث عن أطعمة غنية بالسكر أو الدهون أو الملح.
لذلك ليس غريبًا أن تميل في الأيام المرهقة إلى طلب الوجبات السريعة أو تناول الحلويات. كما أن الإفراط في الأكل قد يرتبط بالعادات العائلية منذ الطفولة، مثل إجبار الطفل على إنهاء الطبق كاملًا، ما قد يجعله في الكبر يتجاهل إشارات الشبع الطبيعية.
لماذا يعد الإفراط في الأكل ضارًا؟
الإفراط في الطعام لا يؤثر في الوزن فقط، بل قد ينعكس على الصحة الجسدية والنفسية معًا. فتناول كميات كبيرة بشكل متكرر قد يؤدي إلى زيادة الوزن، واضطراب التمثيل الغذائي، ورفع خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب والشرايين.
ومن الجانب النفسي، قد يرافقه شعور بالذنب، وتوتر، وانخفاض في تقدير الذات. كما أن نمط الحياة السريع، وسهولة الوصول إلى الطعام عالي السعرات، وقلة الوقت لتحضير وجبات متوازنة، كلها عوامل تزيد احتمال الوقوع في هذه الدائرة.
فهم أسباب الإفراط في الأكل هو الخطوة الأولى للخروج منه.
كيف تتوقف عن الإفراط في الأكل؟
السيطرة على الشهية لا تعني الحرمان أو منع الأطعمة المفضلة، بل تعني تنظيم العلاقة مع الطعام. ويمكن تقليل خطر الإفراط عبر خطوات بسيطة.
تناول الطعام بانتظام ولا تهمل الوجبات الأساسية، خصوصًا الإفطار. من الأفضل أن يحتوي الصباح على مصدر جيد للبروتين وكربوهيدرات معقدة تمنحك شعورًا أطول بالشبع. وإذا كنت ترغب في قطعة حلوى، فتناولها بعد وجبة متوازنة بدل تناولها على معدة فارغة.
لا تتعجل أثناء الأكل. حاول ممارسة الأكل الواعي: من دون هاتف، ومن دون مشاهدة مقاطع أو برامج، ومن دون تشتيت مستمر. ركز على المضغ، والطعم، والرائحة، وقوام الطعام. بهذه الطريقة يحصل الدماغ على الوقت الكافي لتسجيل الإحساس بالشبع.
استمع إلى جسمك. حاول التمييز بين الجوع الحقيقي والرغبة العاطفية في الأكل. عندما تشتهي الشوكولاتة أو شيئًا مالحًا، اسأل نفسك: هل أنا جائع فعلًا، أم أشعر بالتوتر أو الحزن أو الملل؟ أحيانًا يكون الطعام محاولة لتخفيف ألم نفسي لا علاقة له بالجوع.
قد يساعدك تدوين المشاعر والوجبات على اكتشاف العلاقة بين مزاجك ورغبتك في الطعام.
اختر أطعمة تمنحك شبعًا أطول
الطريقة الأفضل لتقليل الشهية ليست في تقليل الطعام عشوائيًا، بل في اختيار أطعمة مشبعة ومغذية.
الألياف من أهم العناصر التي تساعد على الشبع. توجد في الخضروات، الفواكه، البقوليات، والحبوب الكاملة. كما أنها تدعم صحة الهضم وتبطئ الشعور بالجوع.
البروتين أيضًا ضروري للتحكم في الشهية، ويمكن الحصول عليه من البيض، الدجاج، السمك، البقوليات، اللبن أو مصادر البروتين المناسبة لنمطك الغذائي.
أما الدهون الصحية، مثل الأفوكادو، المكسرات، البذور وزيت الزيتون، فتساعد على توازن الوجبة وتمنح شعورًا أفضل بالامتلاء، شرط تناولها بكميات معتدلة.
اشرب كمية كافية من الماء
للماء دور مهم في تنظيم الشهية. أحيانًا يخلط الجسم بين العطش والجوع، لذلك قبل تناول وجبة خفيفة بلا سبب واضح، جرب شرب كوب من الماء وانتظر قليلًا.
يمكنك بدء اليوم بكوب ماء دافئ، مع الليمون إذا كان ذلك مناسبًا لك. كما يُفضل شرب الماء بانتظام خلال اليوم، بمعدل لا يقل غالبًا عن 1.5 لتر، مع مراعاة النشاط البدني والطقس واحتياجات الجسم.
ومن المفيد شرب الماء قبل الوجبة لتقليل سرعة الأكل والمساعدة على التحكم في الكمية. كما أن حمل زجاجة ماء معك يقلل احتمال الجفاف ويجعلك أقل اعتمادًا على المشروبات السكرية. ويمكن استبدال العصائر والمشروبات المحلاة بالماء، أو الشاي العشبي، أو مشروبات خالية من السكر.
كيف تتجنب الأكل العاطفي؟
الأكل العاطفي هو محاولة التعامل مع الضغط أو القلق أو الحزن عن طريق الطعام. ولتقليل ذلك، من المهم تحديد المحفزات.
دوّن مشاعرك مع ما تأكله. مثلًا: “حدث موقف مزعج في العمل، وبعده اشتريت كمية كبيرة من الآيس كريم”. هذا يساعدك على فهم ما إذا كنت تستخدم الطعام كوسيلة للتهدئة.
ابحث عن بدائل للتعامل مع التوتر، مثل المشي، التمارين الخفيفة، التأمل، التنفس العميق، القراءة، الهوايات، أو الحديث مع شخص موثوق.
إذا أصبح الأكل العاطفي متكررًا أو خارج السيطرة، فاستشارة مختص نفسي أو مختص تغذية علاجية قد تساعد كثيرًا.
ولا يجب تحويل الطعام إلى عدو. يمكن تناول كل شيء تقريبًا، لكن ضمن حدود لا تؤذي الجسم أو الحالة النفسية.
اجعل بيئة الطعام أكثر هدوءًا
طريقة ومكان تناول الطعام يؤثران مباشرة في الكمية. حاول أن تأكل على الطاولة، لا أمام التلفاز أو الحاسوب أو في السرير. فالأكل مع التشتيت يجعل الدماغ أقل وعيًا بالكمية التي تناولها.
استخدم أطباقًا أصغر للتحكم في الحصص. ويمكنك بناء وجبتك بطريقة متوازنة: مصدر بروتين، كربوهيدرات مناسبة، خضروات، ودهون صحية بكمية معتدلة.
اختر مكانًا هادئًا قدر الإمكان، لأن التوتر والضوضاء قد يدفعان إلى الأكل بسرعة أكبر.
خطط لوجباتك مسبقًا
التخطيط يساعد على تقليل القرارات العشوائية. عندما لا تكون لديك وجبة جاهزة أو خيار صحي قريب، يصبح طلب الوجبات السريعة أسهل.
حاول إعداد قائمة أسبوعية بسيطة، واذهب للتسوق بقائمة واضحة. اجعل الأطعمة المغذية متوفرة في البيت أكثر من الوجبات السريعة. واحتفظ بخيارات خفيفة صحية مثل الفواكه، المكسرات بكميات مناسبة، اللبن، الخضروات المقطعة أو وجبات منزلية صغيرة.
النوم ودوره في الشهية
قلة النوم قد تزيد الشهية والرغبة في الطعام عالي السكر والدهون. ويعود ذلك إلى اضطراب هرموني؛ إذ ينخفض هرمون اللبتين المسؤول عن إرسال إشارات الشبع، بينما يرتفع هرمون الغريلين الذي يحفز الجوع.
لذلك حاول النوم من 7 إلى 8 ساعات يوميًا. اصنع روتينًا ثابتًا قبل النوم، وقلل استخدام الهاتف في آخر ساعة، ويمكنك شرب شاي عشبي مهدئ إذا كان يناسبك. كما أن غرفة نوم هادئة ومظلمة ومريحة تساعد على نوم أفضل، وبالتالي شهية أكثر توازنًا في اليوم التالي.
كيف تتجنب الإفراط في المطاعم والمناسبات؟
الأكل في المطاعم أو الحفلات غالبًا يكون غنيًا بالسعرات، لكن هذا لا يعني رفض الدعوات أو حرمان نفسك. يمكن التعامل مع الموقف بوعي.
تناول وجبة خفيفة قبل الخروج إذا كنت جائعًا جدًا، مثل فاكهة أو زبادي، حتى لا تصل إلى الطاولة وأنت في حالة جوع شديد. حاول ألا تفرط في الكحول أو المشروبات المحلاة، لأنها قد تزيد الشهية وتضعف التحكم في الكمية.
ابدأ بالخضروات أو الفواكه إن كانت متاحة، ثم اختر ما تحبه بكمية مناسبة. لا تحتاج إلى تجربة كل شيء دفعة واحدة، ولا إلى إنهاء الطبق إذا شعرت بالشبع.
في النهاية، الإفراط في الأكل مشكلة قابلة للتحكم، لكنها تحتاج إلى صبر وفهم للعادات والمشاعر. النظام المتوازن، النوم الجيد، شرب الماء، التخطيط، وتناول الطعام بوعي، كلها خطوات تساعدك على بناء علاقة أهدأ وأكثر صحة مع الطعام.
