يُعد VO2 max، أو الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين، من أبرز المؤشرات المستخدمة لتقييم القدرة الهوائية والتحمل البدني. ويعبّر عن أكبر كمية من الأكسجين يستطيع الجسم استهلاكها والاستفادة منها لإنتاج الطاقة خلال دقيقة واحدة عند أداء مجهود بدني شديد.
وبطريقة أبسط، يمكن النظر إلى هذا المؤشر باعتباره مقياساً لقدرة الجسم على استخدام الأكسجين عندما يقترب النشاط من أقصى شدته. وكلما كانت هذه القدرة أعلى، كان الجسم عادة أكثر كفاءة في دعم العضلات بالطاقة أثناء الأنشطة الهوائية.
وكان قياس VO2 max في السابق مرتبطاً إلى حد كبير بالرياضيين المحترفين، لكنه أصبح اليوم أكثر انتشاراً مع شيوع الجري وتمارين اللياقة البدنية والساعات الذكية التي تقدم تقديرات لهذا المؤشر.
ولا يرتبط VO2 max بالمنافسات الرياضية فقط، بل يعكس جانباً من مستوى اللياقة القلبية التنفسية؛ فالكفاءة في استخدام الأكسجين تؤثر في القدرة على المشي السريع وصعود الدرج والجري والحفاظ على مجهود مستمر دون الشعور بالتعب سريعاً.
كيف يستخدم الجسم الأكسجين أثناء التمرين؟
لفهم VO2 max، يمكن تشبيه الجهاز القلبي التنفسي بمحرك يوفر الطاقة للجسم. فكلما استطاع الجسم التقاط كمية أكبر من الأكسجين ونقلها واستخدامها بكفاءة داخل العضلات، ارتفعت قدرته على إنتاج الطاقة الهوائية.
وتبدأ العملية من الرئتين، حيث ينتقل الأكسجين المستنشق إلى الدم. بعد ذلك يضخ القلب الدم الغني بالأكسجين عبر الأوعية الدموية وصولاً إلى العضلات العاملة.
وتستخلص العضلات الأكسجين من الدم وتستخدمه داخل الخلايا للمساهمة في إنتاج الطاقة اللازمة لاستمرار الحركة.
ولهذا لا يعتمد VO2 max على عامل واحد، وإنما على سلسلة مترابطة تشمل كفاءة الرئتين، وقدرة القلب على ضخ الدم، وتدفق الدم، وقدرة العضلات على استخلاص الأكسجين واستخدامه.
وغالباً ما يمتلك الأشخاص الذين يتدربون بصورة منتظمة مستوى أعلى من اللياقة الهوائية، نتيجة تكيف هذه الأنظمة مع الجهد المتكرر وتحسن قدرتها على العمل معاً بكفاءة.
ماذا يعني ارتفاع أو انخفاض VO2 max؟
يُقاس VO2 max عادة بوحدة ملليلتر من الأكسجين لكل كيلوغرام من وزن الجسم في الدقيقة، أي ml/kg/min.
ويدل المستوى المرتفع عموماً على كفاءة جيدة للجهازين القلبي الوعائي والتنفسي، وعلى قدرة أفضل للجسم على الاستمرار في الأنشطة الهوائية لفترة أطول.
في المقابل، قد تكون القيم الأقل شائعة لدى الأشخاص قليلي النشاط البدني، لكنها لا تُفسر بمعزل عن العمر والجنس والحالة الصحية ومستوى التدريب والعوامل الوراثية.
وتختلف القيم الطبيعية بصورة كبيرة بين الأشخاص، إلا أن بعض التصنيفات التدريبية العامة تضع نطاقات تقريبية على النحو الآتي:
- غير المتدربين: نحو 35 إلى 45 مل/كغ/دقيقة.
- أصحاب اللياقة المتوسطة: نحو 45 إلى 55 مل/كغ/دقيقة.
- العداؤون المدربون جيداً: نحو 55 إلى 65 مل/كغ/دقيقة.
- رياضيو التحمل المحترفون: من 65 إلى 85 مل/كغ/دقيقة أو أكثر.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حدوداً ثابتة، لأن المقارنة الدقيقة تحتاج إلى جداول تراعي العمر والجنس ونوع الرياضة والحالة الصحية.
وبشكل عام، يساعد ارتفاع VO2 max الشخص على تحمل النشاط المكثف لفترة أطول والعودة إلى مستوى جهد منخفض بصورة أسرع بعد التمارين الشديدة.
كما ارتبطت اللياقة القلبية التنفسية المنخفضة في الدراسات الصحية بزيادة بعض المخاطر القلبية والتمثيل الغذائي، إلا أن هذا المؤشر يظل واحداً من عدة عوامل ولا يشكل تشخيصاً طبياً بمفرده.
كيف يتم قياس VO2 max؟
تُعد الاختبارات المخبرية الطريقة الأدق لقياس الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين.
وخلال الاختبار، يرتدي الشخص قناعاً خاصاً متصلاً بجهاز لتحليل الغازات، ثم يجري على جهاز المشي أو يستخدم الدراجة الثابتة بينما ترتفع شدة التمرين تدريجياً.
ويقيس الجهاز كمية الأكسجين المستنشق والمستهلك وثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس، مع متابعة استجابة الجسم حتى الوصول إلى أقصى مستوى ممكن من الجهد.
وتوجد كذلك طرق أقل دقة لكنها أكثر سهولة، مثل الساعات الذكية وأجهزة تتبع اللياقة. وتعتمد هذه الأجهزة على خوارزميات تستند إلى بيانات مثل سرعة الجري ومعدل ضربات القلب والعمر والجنس والوزن وسجل التدريبات.
ولا تُعد قراءة الساعة الذكية بديلاً عن القياس المخبري، لكنها قد تكون مفيدة لمتابعة الاتجاه العام للمؤشر بمرور الوقت، خصوصاً عند استخدام الجهاز نفسه وفي ظروف متشابهة.
اختبار كوبر لتقدير VO2 max
من الاختبارات الميدانية الشهيرة أيضاً اختبار كوبر للجري لمدة 12 دقيقة.
ويعتمد الاختبار على قياس أكبر مسافة يستطيع الشخص قطعها خلال 12 دقيقة مع الحفاظ على جهد يمكن استمراره حتى النهاية.
ويمكن استخدام المعادلة التقريبية التالية لتقدير VO2 max:
VO2 max = (المسافة بالأمتار – 504.9) ÷ 44.73
ولا يساوي هذا الاختبار دقة تحليل الغازات في المختبر، لكنه يقدم تقديراً عملياً يمكن الاستفادة منه عند مقارنة النتائج الشخصية عبر فترات زمنية مختلفة.
ما العوامل التي تؤثر في VO2 max؟
يتأثر الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين بعدة عوامل، بعضها يمكن تحسينه بالتدريب، بينما يرتبط بعضها الآخر بخصائص بيولوجية لا يمكن تغييرها بالكامل.
ومن أهم هذه العوامل العمر، إذ يميل VO2 max إلى الانخفاض تدريجياً مع التقدم في السن، وإن كان النشاط البدني المنتظم قادراً على إبطاء هذا التراجع وتحسين اللياقة مقارنة بالخمول.
كما توجد فروق متوسطة بين الرجال والنساء ترتبط بعوامل مثل كتلة العضلات وحجم الدم وتركيز الهيموغلوبين وتركيب الجسم.
ويلعب نوع التدريب دوراً أساسياً أيضاً. فالأشخاص الذين يمارسون الجري وركوب الدراجات والسباحة وغيرها من أنشطة التحمل بصورة منتظمة غالباً ما يحققون مستويات أعلى من اللياقة الهوائية.
وتؤثر العوامل الوراثية بدورها في القيمة الأساسية لـVO2 max ومدى استجابة الشخص للتدريب. ولهذا قد يحصل شخصان يتبعان البرنامج نفسه على نتائج مختلفة.
ومن الأفضل لذلك مقارنة الفرد بنتائجه السابقة بدلاً من التركيز على مقارنة أرقامه بأشخاص آخرين تختلف خصائصهم وظروفهم التدريبية.
كيف يمكن تحسين VO2 max؟
يمكن رفع اللياقة الهوائية من خلال التدريب المنتظم، وتُعد التمارين المتقطعة عالية الشدة من أكثر الأساليب استخداماً لهذا الهدف.
ويقوم هذا النوع من التدريب على التناوب بين فترات عمل قوية وفترات استشفاء. ويمكن، على سبيل المثال، أداء فترات تتراوح بين 3 و5 دقائق عند شدة مرتفعة، تتبعها فترة أخف تسمح بانخفاض النبض جزئياً قبل تكرار الجولة.
وتدفع هذه التدريبات القلب والجهاز التنفسي إلى العمل عند مستويات مرتفعة، ما يساعد مع الوقت على تطوير القدرة الهوائية لدى كثير من المتدربين.
لكن التدريب عالي الشدة ليس الوسيلة الوحيدة. فالجري والسباحة وركوب الدراجة وغيرها من الأنشطة الهوائية المستمرة تشكل أساساً مهماً لتحسين التحمل.
وتساعد التمارين الهوائية المنتظمة متوسطة الشدة على تطوير تكيفات داخل العضلات والجهاز الدوري، من بينها تحسين كثافة الشعيرات الدموية وزيادة كفاءة الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
ويجب أن تتم زيادة حجم التدريب وشدته بصورة تدريجية تتناسب مع مستوى الشخص، لأن القفز السريع في الأحمال قد يرفع خطر الإصابات والإرهاق الزائد.
ولهذا يظل الانتظام والتدرج أكثر أهمية من محاولة تحقيق أعلى شدة ممكنة في كل حصة.
العلاقة بين VO2 max والنبض وأداء الجري
يرتبط VO2 max ارتباطاً وثيقاً بكفاءة القلب والدورة الدموية أثناء النشاط البدني.
ويُظهر معدل النبض مقدار العمل الذي يؤديه القلب لتوفير الدم والأكسجين للعضلات عند مستوى معين من الجهد.
ومع تحسن اللياقة الهوائية، يستطيع القلب لدى كثير من المتدربين ضخ كمية أكبر من الدم مع كل نبضة، ما يسمح بتنفيذ بعض مستويات الجهد بمعدل ضربات قلب أقل مقارنة بما كان عليه الشخص قبل تحسن لياقته.
وعند الجري، يعني ذلك أن الرياضي قد يصبح قادراً على الحفاظ على سرعة معينة باستهلاك نسبي أقل من قدرته القصوى، وهو ما يساعده على الاستمرار لفترة أطول.
لكن VO2 max لا يحدد وحده مستوى العداء أو نتيجة السباق، إذ تتأثر السرعة كذلك بكفاءة الحركة، والعتبة اللاهوائية، والخبرة التدريبية، والقدرة على توزيع الجهد، وقوة العضلات.
VO2 max مؤشر مهم وليس هدفاً منفرداً
يمكن أن يكون VO2 max وسيلة مفيدة لتقييم تطور اللياقة الهوائية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى رقم تتم مطاردته بمعزل عن بقية جوانب الصحة واللياقة.
فالتحسن الحقيقي يظهر أيضاً في القدرة على الجري أو المشي لمسافة أطول، والمحافظة على سرعة أعلى، وتحمل النشاط اليومي بسهولة أكبر، والاستشفاء بصورة أفضل بين فترات الجهد.
ويظل أفضل استخدام للمؤشر هو متابعة تغيره بمرور الوقت بالتوازي مع مستوى الأداء الفعلي، مع مراعاة أن الاختبارات المخبرية أكثر دقة من تقديرات الأجهزة القابلة للارتداء.
