يدور الماء داخل الجسم بشكل مستمر، إذ تتم تصفيته عبر الكليتين، وينتقل مع الدم إلى الأنسجة، ثم يخرج من الجسم من خلال البول، والتعرق، والتنفس. ويعتمد توازن السوائل أساساً على عمل الكليتين، ومستوى الأملاح، وتأثير بعض الهرمونات. وفي أغلب الحالات، يرتبط احتباس الماء بزيادة الصوديوم في الطعام، أو التوتر، أو قلة الحركة، أو التغيرات الهرمونية. أما إذا كانت الانتفاخات واضحة أو مصحوبة بأعراض أخرى، فقد يكون الأمر بحاجة إلى تقييم طبي.
كيف يخرج الماء من الجسم؟
يشكل الماء في جسم الإنسان البالغ ما يقارب 50 إلى 60 في المائة من وزن الجسم. لكنه لا يبقى ثابتاً في مكان واحد، بل يتحرك باستمرار داخل الخلايا وخارجها، ويشارك في عمليات التمثيل الغذائي، ونقل العناصر الغذائية، والتخلص من نواتج الفضلات. ولفهم طريقة التخلص من السوائل، يجب النظر إلى دور الكلى، والجهاز اللمفاوي، والهرمونات المنظمة لتوازن الماء.
دور الكليتين والجهاز اللمفاوي
تمر عبر الكليتين يومياً كميات كبيرة من السوائل الأولية قد تصل إلى 150 أو 180 لتراً، لكن الجسم لا يطرحها كلها. فبعد عملية الترشيح وإعادة الامتصاص، يتكون في النهاية نحو 1.5 إلى 2 لتر من البول يومياً في الظروف الطبيعية.
وتتحكم الكليتان في كمية السوائل داخل الجسم، وتركيز الأملاح، ومستوى ضغط الدم. وعندما تعملان بشكل جيد، يستطيع الجسم التخلص من الفائض والاحتفاظ بالكمية التي يحتاجها فقط.
وفي الوقت نفسه، يعمل الجهاز اللمفاوي كشبكة تصريف داخلية. فهو يجمع السوائل الزائدة من الأنسجة، ويمررها عبر العقد اللمفاوية لتنقيتها، ثم يعيدها إلى الدورة الدموية. وعندما يتباطأ هذا التصريف، تظهر انتفاخات فسيولوجية يعتقد البعض خطأ أنها ناتجة عن شرب كمية كبيرة من الماء، بينما يكون السبب الحقيقي غالباً ضعف حركة السوائل الدقيقة داخل الأنسجة.
تأثير الهرمونات على احتباس الماء
يتأثر توازن السوائل بعدد من الهرمونات التي تتحكم في كمية الماء والأملاح داخل الجسم.
الألدوستيرون يساعد الجسم على الاحتفاظ بالصوديوم، ومع الصوديوم يحتفظ الجسم بالماء أيضاً.
الفازوبريسين، أو الهرمون المضاد لإدرار البول، يقلل كمية البول المطروحة عندما يحتاج الجسم إلى حفظ السوائل.
أما الببتيدات المدرّة للصوديوم فتعمل في الاتجاه المعاكس، إذ تساعد على إخراج السوائل الزائدة وتقليل احتباس الماء.
وعند حدوث خلل في هذا التوازن، قد يبدأ الجسم في تخزين كمية أكبر من السوائل مقارنة بما يحتاجه فعلياً.
العلاقة بين الصوديوم والبوتاسيوم
يعد توازن الصوديوم والبوتاسيوم من أهم الآليات التي تحدد كيفية توزع الماء بين الخلايا والمساحات المحيطة بها.
الصوديوم مسؤول بدرجة كبيرة عن الاحتفاظ بالماء. فهو يتركز غالباً في السوائل الموجودة خارج الخلايا، وعندما ترتفع نسبته، يجذب الماء من داخل الخلايا إلى المساحة بين الخلايا. وبهذه الطريقة يمكن أن تظهر الانتفاخات، حيث تتجمع السوائل خارج الخلايا ولا يتم ترشيحها بسرعة كافية عبر الكليتين.
أما البوتاسيوم فيعمل كعنصر مساعد على التخلص من الفائض. فهو يوجد أساساً داخل الخلايا، ويعد خصماً طبيعياً للصوديوم. ويساعد الكليتين على طرح الصوديوم الزائد، ومعه تخرج كمية من الماء المحتبس.
لذلك، فإن تقليل الملح في الطعام وزيادة تناول الأغذية الغنية بالبوتاسيوم يمكن أن يساعد الجسم على إعادة تنظيم حجم الدم والسوائل الموجودة بين الخلايا بطريقة طبيعية وأكثر توازناً.
ما الذي يؤدي إلى احتباس الماء في الجسم؟
احتباس السوائل لا يعني دائماً أن الشخص شرب كمية زائدة من الماء خلال اليوم. في كثير من الحالات، يكون الانتفاخ علامة على اضطراب في النظام الغذائي، أو في نمط الحياة، أو في توازن الهرمونات والأملاح. ولهذا من المهم معرفة الأسباب التي تجعل الجسم يميل إلى تخزين السوائل بدلاً من التخلص منها.
زيادة الملح في الطعام
يعد الإفراط في تناول الملح من أكثر أسباب الانتفاخ شيوعاً. فالصوديوم يمتلك قدرة عالية على جذب الماء والاحتفاظ به. ولا يقتصر الأمر على الملح الذي يضاف مباشرة إلى الطعام، بل يشمل أيضاً الأغذية الجاهزة، والمعلبات، والصلصات، والأجبان، والمنتجات نصف المصنعة.
عندما ترتفع كمية الصوديوم في الدم، يحاول الجسم تخفيف تركيزه إلى مستوى آمن. ولهذا يرسل الدماغ إشارات إلى الكليتين لتقليل طرح البول مؤقتاً، فيبقى الماء داخل الجسم لفترة أطول.
التقلبات الهرمونية
تتحكم الهرمونات بشكل مباشر في توازن الماء والأملاح، وأي تغير واضح فيها يمكن أن يؤدي إلى احتباس السوائل. فالأطعمة ذات المؤشر الجلايسيمي المرتفع، مثل الحلويات والمعجنات، ترفع مستوى الإنسولين، وهذا قد يدفع الكليتين إلى إعادة امتصاص مزيد من الصوديوم.
كما أن تغير مستويات الإستروجين والبروجستيرون في النصف الثاني من الدورة الشهرية لدى النساء قد يؤدي بشكل طبيعي إلى احتباس ما يقارب لتر أو لترين من السوائل. كذلك يلعب التوتر دوراً واضحاً، لأن ارتفاع الكورتيزول قد يضعف انتظام عمل الكليتين ويجعل الانتفاخ أكثر استمراراً.
قلة الحركة والجلوس الطويل
على عكس الدم، لا يمتلك الجهاز اللمفاوي مضخة خاصة به مثل القلب. وتعتمد حركة اللمف بشكل كبير على انقباض العضلات. وعند الجلوس لفترات طويلة، تقل حركة عضلات الساقين والفخذين، فيتباطأ تصريف السوائل، خصوصاً في الأطراف السفلية.
ولهذا يشعر كثيرون بثقل في الساقين أو انتفاخ في القدمين مع نهاية اليوم، خاصة عند العمل لساعات طويلة في وضعية ثابتة.
التوتر وقلة النوم
أثناء النوم العميق، تعمل الكليتان بنمط خاص يساعد على تنظيم السوائل وطرح الفضلات. لكن عندما يكون النوم قصيراً أو متقطعاً، قد لا تكتمل دورة التنظيف الطبيعية للجسم.
كما أن التوتر قد يزيد الرغبة في تناول السكريات والكربوهيدرات السريعة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع الإنسولين، ثم إلى احتباس الصوديوم والماء مرة أخرى.
ويشير مدرب مختص إلى أن احتباس السوائل إذا ترافق مع ضيق في التنفس أو ألم في أسفل الظهر، فقد يكون سبباً يستدعي استشارة الطبيب، لأن المشكلة قد تكون مرتبطة بالقلب أو الكليتين، لا بنمط الحياة فقط.
كيف يمكن التخلص من الماء الزائد بأمان؟
قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن الطريقة الصحيحة لتقليل الانتفاخ لا تبدأ بمنع الماء، بل بشرب كمية كافية منه. فعندما يشعر الجسم بنقص السوائل، يدخل في وضعية دفاعية ويبدأ بتخزين كل كمية متاحة داخل الأنسجة.
لذلك، من الأفضل شرب الماء تدريجياً على مدار اليوم بدلاً من تناول كميات كبيرة دفعة واحدة. ويمكن أن يكون الجزء الأكبر من كمية الماء اليومية، أي نحو 70 في المائة، قبل الساعة السادسة مساءً، حتى لا تتعرض الكليتان لضغط زائد قبل النوم.
كما يفضل استبدال جزء من القهوة والشاي الثقيل بالماء النقي. فالكافيين قد يمتلك تأثيراً مدراً خفيفاً للبول، لكن الإفراط فيه يمكن أن يؤدي أحياناً إلى رد فعل عكسي يتمثل في احتباس السوائل.
تقليل الملح وزيادة الحركة
الملح هو أكثر ما يجذب الماء داخل الجسم. ولتقليل الفائض، يمكن خفض كمية الملح مؤقتاً، والاعتماد بدلاً منه على عصير الليمون، والثوم، والأعشاب المجففة، والكركم. هذه الإضافات تمنح الطعام نكهة جيدة دون الحاجة إلى كمية كبيرة من الصوديوم.
ومن المفيد أيضاً إدخال أطعمة غنية بالبوتاسيوم إلى النظام الغذائي، مثل الأفوكادو، والقرع، والمشمش المجفف، والبطاطا المشوية. فالبوتاسيوم يساعد على إخراج الصوديوم الزائد، وبالتالي يساهم في التخلص من جزء من السوائل المحتبسة.
أما الحركة فهي من أهم الوسائل الطبيعية لتنشيط الجهاز اللمفاوي. فالمشي بسرعة متوسطة، أو أداء بعض تمارين القرفصاء، أو صعود الدرج، كلها أنشطة تجعل العضلات تنقبض وتدفع السوائل الراكدة نحو الأعلى داخل الأوعية اللمفاوية.
ويوضح أحد المدربين أن كثيرين يحاولون التخلص من الماء الزائد عبر تمارين الكارديو فقط، بينما تكون تمارين القوة أكثر فاعلية على المدى الطويل. فالعضلات تعمل كمضخة طبيعية للجهاز اللمفاوي، وعند انقباضها تساعد على نقل السوائل من الأطراف إلى الكليتين، ما يخفف من الانتفاخ.
أطعمة تساعد على التخلص من السوائل الزائدة
لا يعتمد تنظيم السوائل على شرب الماء والنشاط البدني فقط، بل يتأثر أيضاً بنوعية الطعام. ويعد البوتاسيوم من أهم العناصر التي تساعد الجسم على التخلص من الصوديوم الزائد، لذلك ينصح بإدخال أطعمة غنية به ضمن النظام الغذائي.
من أبرز الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم البطاطا المشوية بقشرتها، والمشمش المجفف، والفاصوليا، والأفوكادو، والموز، والكوسا، والقرع، والسبانخ، والبقدونس.
كما تلعب الأغذية البروتينية دوراً مهماً في دعم الأيض والحفاظ على توازن السوائل، ومن أمثلتها صدر الدجاج قليل الدهن، والديك الرومي، والسمك الأبيض، وبياض البيض.
وتساعد الأطعمة الغنية بالماء على دعم الترطيب وتقليل كثافة النظام الغذائي، مثل الخيار، والكرفس، والبطيخ، والشمام، والتوت البري. ويمكن أيضاً تناول الشاي الأخضر، والكركديه، والماء مع الليمون، وعصير الغريب فروت ضمن نمط غذائي متوازن.
كيف تتخلص من احتباس الماء دون ضرر؟
يجب إدخال أي تغييرات جديدة بشكل تدريجي، لأن التوقف المفاجئ عن الملح أو الكربوهيدرات قد يفسره الجسم كحالة ضغط، مما قد يؤدي لاحقاً إلى احتباس سوائل أكبر.
لا ينصح بإلغاء الملح تماماً، بل يكفي التوقف عن إضافة كميات إضافية إلى الطعام الجاهز. ويمكن استخدام كميات معتدلة من ملح البحر أو الملح الوردي بدلاً من الإفراط في الملح الأبيض المعتاد.
كما أن تقليل الحلويات من أسرع الطرق التي قد تظهر نتائجها على الوزن والشعور بالانتفاخ، لأن السكريات السريعة ترتبط بارتفاع الإنسولين واحتباس الصوديوم.
ولا ينبغي تجاهل النوم والتعافي. فعند قلة النوم يرتفع الكورتيزول، مما قد يضعف عمل الكليتين ويزيد احتباس السوائل. ومن الأفضل النوم في غرفة معتدلة أو باردة نسبياً، بدرجة لا تتجاوز 18 درجة مئوية، لأن الجو الخانق قد يدفع الجسم للتعرق وفي الوقت نفسه للاحتفاظ بالماء لتنظيم الحرارة.
لماذا لا يجب استخدام مدرات البول دون وصفة؟
قد تبدو مدرات البول حلاً سريعاً للتخلص من السوائل، لكنها ليست وسيلة آمنة للاستخدام العشوائي. فهذه الأدوية مخصصة غالباً لحالات طبية محددة، مثل بعض أمراض القلب أو الكلى أو ضغط الدم، ولا ينبغي تناولها من دون إشراف طبي.
استخدام مدرات البول من دون حاجة قد يؤدي إلى الجفاف، واضطراب الأملاح، والشعور بالضعف، ثم قد يدفع الجسم بعد التوقف عنها إلى تخزين الماء بقوة أكبر لتعويض النقص.
إذا لم يؤد تعديل النظام الغذائي وزيادة الحركة اليومية إلى تحسن واضح، فقد تكون الانتفاخات مرتبطة بمشكلة في الكلى أو القلب أو الهرمونات. ويجب طلب الاستشارة الطبية عند ظهور انتفاخ شديد في الوجه لا يختفي خلال اليوم، أو تغير في لون البول، أو ألم في أسفل الظهر، أو قفزات مفاجئة في ضغط الدم، أو ضيق في التنفس، أو شعور دائم بالإرهاق والثقل.
