يلاحظ كثيرون أنهم يدخلون إلى النادي الرياضي وهم يشعرون بالإرهاق بعد يوم عمل طويل، ثم يغادرونه بطاقة أكبر وهدوء نفسي أوضح. هذا التحول ليس مجرد إحساس عابر، بل يرتبط بتغيرات فسيولوجية تحدث داخل الجسم بمجرد بدء الحركة.
فعندما يبدأ الإنسان بممارسة النشاط البدني، يعيد الجسم تنظيم عمله لتوفير مزيد من الطاقة والأكسجين للعضلات، وتدخل في هذه العملية مجموعة من الهرمونات والمواد الكيميائية التي تؤثر في المزاج والطاقة والقدرة على تحمل الجهد.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن الرياضة تؤدي إلى إفراز هرمون واحد فقط مسؤول عن الشعور بالسعادة، إذ إن الجسم يطلق سلسلة متكاملة من الاستجابات العصبية والهرمونية التي تعمل معا وتختلف شدتها بحسب نوع التدريب ومدته ومستوى المجهود المبذول.
كيف تؤثر التمارين في الجسم؟
تمثل أي حصة تدريبية، سواء في صالة الرياضة أو على جهاز المشي، نوعا من الضغط المنظم والمسيطر عليه على الجسم.
وخلال التدريب، يرتفع استهلاك الطاقة وتزداد حاجة العضلات إلى الأكسجين، لذلك تبدأ سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية.
في المرحلة الأولى، يتفاعل الجهاز العصبي بسرعة مع بداية الحركة، فيرسل الدماغ إشارات تساعد الجسم على الاستعداد للنشاط. ويرتفع معدل ضربات القلب والتنفس، كما يصبح الانتباه أكثر حدة.
أما المرحلة الثانية، فتتعلق بإعادة توزيع موارد الجسم، حيث تحصل العضلات النشطة على كمية أكبر من الدم والأكسجين، وتبدأ في استخدام مخزون الطاقة بصورة مكثفة.
بعد انتهاء التدريب، تبدأ مرحلة الاستعادة، حيث ينخفض التوتر الجسدي تدريجيا، ويعمل الجسم على تعويض الطاقة التي استهلكها وإصلاح الأنسجة التي تعرضت للمجهود.
ومع الانتظام في ممارسة الرياضة، يصبح الجسم أكثر قدرة على التعامل مع الجهد، ويستعيد توازنه بصورة أسرع بعد انتهاء التمرين.
ما الهرمونات التي تتأثر أثناء ممارسة الرياضة؟
لا تتغير أثناء النشاط البدني مستويات هرمون واحد فقط، بل تتفاعل عدة هرمونات ونواقل كيميائية ومواد عصبية في الوقت نفسه.
ويختلف تأثير هذه المواد باختلاف نوع النشاط، ومدته، وشدته، والحالة الصحية ومستوى اللياقة لدى الشخص.
الدوبامين.. هرمون التحفيز والمكافأة
يرتبط الدوبامين بالشعور بالإنجاز والمكافأة.
فعندما ينجح الشخص في رفع وزن أكبر، أو إتقان تمرين جديد، أو إكمال مسافة كان يخطط لها، تنشأ استجابة عصبية ترتبط بالرضا عن النتيجة.
وهذا الشعور قد يساهم في تعزيز الدافع لمواصلة التدريب والالتزام بخطة رياضية منتظمة.
الإندورفين.. مسكن طبيعي للألم
عند ممارسة نشاط بدني لفترة كافية، يمكن أن ترتفع مستويات الإندورفين، وهي مواد عصبية تساعد على تقليل الإحساس بالألم والتعب.
وتشارك الإندورفينات، إلى جانب مواد أخرى، في الشعور بما يعرف أحيانا بـ”نشوة العداء”، وهي حالة من الارتياح والخفة النفسية قد تظهر بعد التمارين الطويلة.
السيروتونين.. التوازن والهدوء
يلعب السيروتونين دورا في تنظيم المزاج والنوم وعدد من الوظائف العصبية.
وبعد تمارين الكارديو الهادئة والمنتظمة، يشعر بعض الأشخاص بانخفاض التوتر وتحسن المزاج، بينما يمكن للنشاط البدني المتكرر أن يساعد في تقليل الإحساس المتراكم بالضغط النفسي.
الأدرينالين والنورأدرينالين والكورتيزول.. الاستعداد والطاقة
يساعد الأدرينالين والنورأدرينالين الجسم على الدخول سريعا في حالة الاستعداد، حيث يرتفع النبض ويزداد التركيز وتصبح الطاقة أكثر توفرا للعضلات.
أما الكورتيزول، فيشارك أيضا في تعبئة مخزون الطاقة خلال النشاط البدني.
وارتفاعه بشكل مؤقت أثناء التمرين المكثف يعد استجابة طبيعية، لكن المشكلة قد تظهر عندما تجتمع التدريبات القوية مع الضغط النفسي المزمن وقلة النوم وعدم كفاية فترات التعافي.
في هذه الحالة، قد تبقى مستويات الكورتيزول مرتفعة لفترات أطول، ما قد يؤثر سلبا في الاستشفاء والشعور العام بالطاقة.
هرمون النمو.. التجدد والتكيف
يساهم هرمون النمو في عمليات الأيض وإصلاح الأنسجة والتكيف مع التدريب.
وتؤدي التمارين المكثفة عادة إلى ارتفاع مؤقت في إفرازه، كما يلعب النوم الكافي دورا أساسيا في دعم إنتاجه الطبيعي.
لكن ارتفاع هرمون النمو بعد التمرين لا يعني بالضرورة أن الدهون ستختفي بسرعة أو أن العضلات ستنمو تلقائيا، لأن النتائج تعتمد على مجموعة أوسع من العوامل تشمل التغذية والاستمرارية والنوم والاستشفاء.
التستوستيرون.. دعم العضلات والأنسجة
يمكن أن تؤدي تمارين القوة إلى ارتفاع مؤقت في مستوى التستوستيرون بالدم.
ويشارك هذا الهرمون في دعم أنسجة العضلات والعظام، إلا أن الارتفاع المؤقت وحده لا يكفي لتحقيق زيادة كبيرة في الكتلة العضلية.
فنمو العضلات يعتمد أيضا على طبيعة الحمل التدريبي، والانتظام في ممارسة التمارين، وتناول كمية مناسبة من البروتين، إلى جانب الحصول على وقت كاف للراحة والتعافي.
الإنسولين والغلوكاغون.. تنظيم الطاقة والسكر
يعمل الإنسولين والغلوكاغون معا لتنظيم مستويات الغلوكوز وتوفير الطاقة للأنسجة.
وخلال التدريب، يساعد الغلوكاغون على تحرير الغلوكوز المخزن في الكبد، حتى تتمكن العضلات من استخدامه أثناء الجري أو ركوب الدراجة أو تمارين الأوزان.
كما تساهم ممارسة الرياضة بانتظام في تحسين استجابة الخلايا للإنسولين، ما يساعد الجسم على استخدام الغلوكوز بصورة أكثر كفاءة.
ماذا تعني هذه التغيرات أثناء التمرين؟
لا يمكن عادة الشعور بتأثير هرمون واحد بشكل منفصل، لأن استجابة الجسم أثناء الرياضة تنتج عن تفاعل عدة مواد في الوقت نفسه.
فالأدرينالين والنورأدرينالين يساعدان على رفع اليقظة وتسريع نبض القلب، بينما يساهم الكورتيزول في توفير الطاقة اللازمة للنشاط.
ويخفف الإندورفين الإحساس بالألم والتعب، في حين يرتبط الدوبامين بالشعور بالمكافأة بعد تحقيق هدف رياضي.
أما السيروتونين فيشارك في تنظيم المزاج والنوم، بينما يلعب هرمون النمو والتستوستيرون دورا في عمليات الاستشفاء والحفاظ على الأنسجة.
وفي الوقت نفسه، يساعد الإنسولين والغلوكاغون على ضمان وصول الطاقة إلى العضلات بصورة مستمرة خلال النشاط البدني.
كيف تجعل الرياضة مفيدة من دون أن تتحول إلى مصدر للإرهاق؟
يعتمد تأثير الرياضة في الجسم على الطريقة التي يتم بها تنظيم التدريب.
فالتمرين الجيد لا يعني دائما التدريب بأقصى شدة، بل يجب أن يكون الحمل مناسبا لقدرة الشخص ومستوى لياقته وحالته الصحية.
ومن المهم خفض شدة التدريب إذا بدأ الشخص يفقد السيطرة على الحركة أو أصبح التنفس صعبا بصورة مفرطة أو استمر التعب لساعات طويلة بعد انتهاء الحصة.
كما تلعب التغذية دورا أساسيا في الاستشفاء، لأن النشاط البدني يستهلك الطاقة وقد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى زيادة الشهية.
ويساعد تناول وجبات منتظمة ومتوازنة على تعويض الطاقة، في حين يوفر البروتين المواد التي تحتاجها العضلات لإصلاح الأنسجة بعد التدريب.
ولا يقل النوم والراحة أهمية عن التمرين نفسه، إذ ينبغي خفض حجم النشاط أو شدته إذا بدأ التعب يتراكم بصورة مستمرة أو تراجعت جودة النوم.
التدريب المناسب لا يعني السعادة الفورية
ليس من الضروري أن تؤدي كل حصة تدريبية إلى شعور قوي بالسعادة أو النشاط فور انتهائها.
فالمؤشر الأكثر أهمية هو أن يصبح الجسم مع الوقت أكثر قدرة على الحركة وتحمل الجهد، وأن تقل فترات الاستشفاء، وأن يبقى لدى الشخص قدر من الطاقة بعد التدريب بدلا من الشعور بالإرهاق الكامل.
كما أن تحسن جودة النوم والقدرة على التعامل مع المجهود اليومي يمثلان علامات مهمة على أن برنامج التدريب مناسب.
وعندما يتم الجمع بين النشاط البدني المنتظم والتغذية الجيدة والنوم الكافي، يصبح تأثير الرياضة أكثر اتزانا، ويساعد الجسم على الحفاظ على وظائفه الهرمونية والعصبية بصورة أفضل.
