ماذا نفعل للوقاية من فقدان الذاكرة؟
في زمن يتزايد فيه القلق من تراجع الذاكرة مع التقدم في العمر أو تحت ضغط الحياة السريعة، يبحث الكثيرون عن حلول سهلة وفعّالة لدعم صحة الدماغ. دراسة جديدة أجراها علماء من جامعة بيردو تقدّم إجابة عملية ومباشرة: جلسة واحدة فقط من تمارين القوة قد تكون كافية لمنح ذاكرتك ودماغك دفعة سريعة وملموسة.
تمرين واحد لمدة 42 دقيقة يكفي لتنشيط الدماغ
بحسب ما نشرته مجلة «علم النفس الفسيولوجي»، توصّل الباحثون إلى أن حصة واحدة من تمارين المقاومة مدتها 42 دقيقة أدت إلى تحسين ملحوظ في تنشيط الذاكرة وتسريع معالجة المعلومات في الدماغ، وذلك مباشرة بعد انتهاء التمرين. لا يتعلق الأمر ببرنامج رياضي طويل الأمد، بل بجلسة واحدة قصيرة نسبيًا كانت كافية لإحداث فرق في كيفية استجابة الدماغ للمهام الإدراكية.
كيف صُمِّمت الدراسة؟
شملت الدراسة 121 شخصًا بالغًا سليمًا تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عامًا. قُسم المشاركون إلى مجموعتين؛ الأولى أدت تمارين قوة باستخدام الأثقال، حيث قام الأفراد بمجموعتين من عشرة تكرارات لتمارين أساسية مثل تمرين البنش، وتمارين التجديف، وتمرين عضلة البايسبس، وتمرين الساق، وذلك بأوزان تعادل ما بين 65 و75 في المائة من أقصى وزن يتحمله كل مشارك. المجموعة الثانية لم تمارس أي مجهود بدني، بل اكتفت بالجلوس ومشاهدة فيديو يُظهر نفس التمارين التي أدتها المجموعة الأولى، من دون مشاركة فعلية.
تأثير مباشر في الذاكرة وسرعة الاستجابة
فور الانتهاء من الحصة الرياضية، خضع المشاركون لاختبارات تقيس الذاكرة العاملة وقدرتهم على تثبيط الاستجابة، وهي من الوظائف المعرفية المرتبطة بالتحكم في رد الفعل والقدرة على التركيز. أظهرت النتائج أن من مارسوا التمارين أدوا هذه المهام بوتيرة أسرع مقارنة بأدائهم قبل التمرين، من دون أي تراجع في دقة الإجابات. بمعنى آخر، أصبحوا أسرع في التفكير واتخاذ القرار، مع الحفاظ على نفس مستوى الجودة في الأداء المعرفي.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
على المستوى العصبي، لاحظ الباحثون انخفاضًا في زمن استجابة المكون العصبي المعروف باسم P3، وهو مؤشر كهربائي فيزيولوجي يُستخدم لقياس سرعة معالجة الدماغ للمعلومات. تقليص زمن هذا المكوّن يعني أن الدماغ أصبح يتعامل مع المعطيات الإدراكية بسرعة أكبر مما كان عليه قبل التمرين، وهو ما ينسجم مع تحسن أوقات رد الفعل في الاختبارات المعرفية.
تغيّرات فسيولوجية ترافق تحسّن الأداء الذهني
لم تقف التغيّرات عند حدود نشاط الدماغ، بل شملت أيضًا مؤشرات فسيولوجية على مستوى الجسم. فقد لوحظ ارتفاع في مستويات حمض اللاكتيك لدى المشاركين الذين مارسوا التمارين، إلى جانب زيادة ملحوظة في ضغط الدم الانقباضي عقب الجلسة الرياضية. أظهر التحليل أن هذه الزيادة العابرة في ضغط الدم تفسر جزئيًا تحسّن أوقات الاستجابة في الاختبارات المعرفية، ما يوحي بأن التأثير على الدماغ قد يكون مرتبطًا بارتفاع مستوى اليقظة وتحسّن تنظيم الانتباه بعد مجهود بدني مكثف.
تأثير فوري ولكن مدته غير معروفة
يشير الباحثون إلى أن تأثير التمرين في الذاكرة والأداء الإدراكي كان فوريًا، إذ تم إجراء الاختبارات مباشرة بعد الحصة الرياضية. غير أن الدراسة لم تُجب بعد عن أسئلة أساسية، من قبيل المدة التي يستمر فيها هذا الأثر الإيجابي، وما إذا كان تدريب القوة المنتظم يمكن أن يؤدي إلى تحسّنات تراكمية وطويلة الأمد في الذاكرة ووظائف الدماغ. كما يظل من غير الواضح كيف يمكن أن يستجيب الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو مشاكل قلبية ووعائية لنفس نمط التمرين، وما إذا كانت النتائج ستكون مماثلة.
ما الذي يمكن استخلاصه عمليًا؟
رغم الأسئلة المفتوحة، تقدم هذه الدراسة رسالة مشجعة وبسيطة في آن واحد: حتى جلسة واحدة قصيرة من تمارين القوة يمكن أن تمنح الدماغ دفعة سريعة على مستوى الذاكرة وسرعة المعالجة المعرفية. إدراج مثل هذه الجلسات في الروتين الأسبوعي قد يكون خطوة فعّالة لدعم اليقظة الذهنية وتحفيز الذاكرة، إلى جانب الفوائد المعروفة للنشاط البدني في تعزيز الصحة العامة. ومع ذلك، يبقى اعتماد أي برنامج رياضي مكثف بحاجة إلى مراعاة الحالة الصحية الفردية، واستشارة مختصين عند الضرورة، خاصة لدى من يعانون من أمراض مزمنة أو عوامل خطر قلبية.
