كثيراً ما نسمع أشخاصاً يقولون إن ضغط الدم لديهم “ارتفع بشدة” بسبب التوتر، لكن هذه العبارة ليست مجرد مبالغة شائعة. فالعلاقة بين الضغط النفسي وارتفاع ضغط الدم حقيقية، ويؤكدها أطباء القلب.
يقول الدكتور تشينغ هان تشين، طبيب القلب التداخلي والمدير الطبي لبرنامج القلب البنيوي في مركز “MemorialCare Saddleback” الطبي في كاليفورنيا: “ضغط الدم يتأثر بالتأكيد بكمية التوتر التي تتعرض لها”.
والمشكلة أن ارتفاع ضغط الدم غالباً لا يسبب أعراضاً واضحة، لذلك قد لا يعرف الشخص أن ضغطه مرتفع إلا إذا قام بقياسه بانتظام. ولهذا يُعرف ارتفاع ضغط الدم أحياناً باسم “القاتل الصامت”.
وإذا كنت تتابع ضغط الدم في المنزل باستخدام جهاز قياس أو ساعة ذكية، فقد تلاحظ أن القراءات ترتفع في الفترات التي تشعر فيها بالتوتر أو القلق. لكن ما الذي يحدث داخل الجسم؟ وكيف يمكن السيطرة على هذا الارتفاع؟
ماذا يحدث لضغط الدم عند التوتر؟
عندما يتعرض الإنسان للتوتر، تحدث داخل الجسم سلسلة من التغيرات التي تؤثر مباشرة في ضغط الدم.
يشرح الدكتور جيم ليو، طبيب القلب في مركز “Ohio State University Wexner Medical Center”، أن استجابة الجسم الطبيعية للتوتر تتمثل في زيادة معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم.
فعند الشعور بالضغط النفسي، ينشط الجهاز العصبي الودي، وهو الجزء المسؤول عن التحكم في عدد من الوظائف اللاإرادية في الجسم. وفي الوقت نفسه، يفرز الجسم هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول.
ويصف الأطباء هذه الحالة بأنها جزء من استجابة “القتال أو الهروب”، وهي آلية دفاعية قديمة يستعد فيها الجسم لمواجهة خطر أو الهروب منه. ونتيجة لذلك، تصبح ضربات القلب أسرع، وتضيق الأوعية الدموية، فيرتفع ضغط الدم.
التوتر الحالي قد يصنع مشكلة مستقبلية
لا يقتصر تأثير التوتر على اللحظة نفسها فقط. فقد أشارت أبحاث منشورة في مجلة “Hypertension” إلى أن التوتر قد يزيد احتمال الإصابة بارتفاع ضغط الدم لاحقاً.
وفي إحدى الدراسات، حلل الباحثون عينات بول لـ412 شخصاً بالغاً للبحث عن هرمونات التوتر. وتبين أن الأشخاص الذين ظهرت لديهم مستويات أعلى من هذه الهرمونات كانوا أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم خلال السنوات الست أو السبع التالية.
كما أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين سجلوا مستويات مرتفعة من الكورتيزول في البول كانوا أكثر عرضة بنسبة 90% للإصابة بحدث قلبي وعائي خلال 11 عاماً.
ولهذا السبب، تدرج جمعية القلب الأمريكية التوتر ضمن عوامل الخطر المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.
التوتر لا يعمل وحده
صحيح أن التوتر قد يرفع ضغط الدم بشكل مباشر، لكنه قد يدفع أيضاً إلى عادات يومية تزيد المشكلة سوءاً.
فالشخص المتوتر قد يميل إلى تناول طعام غير صحي، أو تقليل الحركة، أو التدخين، أو شرب الكحول أكثر من المعتاد. وكل هذه العوامل ترتبط بدورها بارتفاع ضغط الدم وزيادة الضغط على القلب والأوعية الدموية.
لذلك، لا يُنظر إلى التوتر كعامل نفسي فقط، بل كعنصر قد يؤثر في نمط الحياة بالكامل، ويزيد خطر المشكلات القلبية مع مرور الوقت.
ماذا يحدث إذا كان التوتر مزمناً؟
عند التعرض للتوتر لفترة قصيرة، يفرز الجسم هرمونات مثل الكورتيزول، وقد يؤدي ذلك إلى تضييق الأوعية الدموية ورفع ضغط الدم مؤقتاً.
لكن التوتر المزمن أخطر بكثير. يوضح الدكتور تشين أن الضغط النفسي المستمر يمكن أن يزيد الالتهاب طويل الأمد داخل الجسم، وهذا الالتهاب يساهم في تصلب الأوعية الدموية ويجعلها أقل قدرة على الاسترخاء.
ومع مرور الوقت، قد يبدأ ضغط الدم بالارتفاع تدريجياً، حتى يصبح مشكلة دائمة لا ترتبط فقط بلحظات الانفعال.
ويحذر الدكتور ليو من أن ارتفاع ضغط الدم المزمن قد يسبب أضراراً طويلة الأمد في أعضاء مهمة، مثل القلب، والدماغ، والكلى، والعينين.
فالقلب قد يضطر إلى العمل بجهد أكبر، والدماغ يصبح أكثر عرضة لمشكلات الأوعية، والكلى قد تتأثر قدرتها على تنقية الدم، كما يمكن أن تتضرر الأوعية الدقيقة في العينين.
هل تقليل التوتر يخفض ضغط الدم؟
يؤكد الأطباء أن خفض مستوى التوتر قد يساعد في تحسين ضغط الدم، حتى وإن لم يكن الحل الوحيد.
يقول الدكتور تشين إن تقليل أي قدر من التوتر في الحياة اليومية يمكن أن يساهم في خفض ضغط الدم. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن التخلص من كل مصادر الضغط ليس أمراً سهلاً، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون توتراً مستمراً بسبب العمل أو المسؤوليات أو الظروف الصحية والعائلية.
وينصح الدكتور ليو بالاعتماد على تقنيات إدارة التوتر، مثل التأمل، واليوغا، وتمارين اليقظة الذهنية، وتقنيات التحكم في التنفس.
وقد لا تعالج هذه الطرق ارتفاع ضغط الدم بالكامل، لكنها يمكن أن تساعد على خفضه جزئياً، خاصة عندما تكون جزءاً من نمط حياة صحي يشمل التغذية الجيدة، والنشاط البدني، والنوم الكافي.
كيف تساعد نفسك على تهدئة الضغط؟
يمكن لبعض الخطوات البسيطة أن تساعد الجسم على الخروج من حالة الاستنفار المستمر، مثل التنفس العميق لعدة دقائق، والمشي اليومي، وتقليل المنبهات عند المساء، وتنظيم ساعات النوم.
كما أن مراقبة ضغط الدم في المنزل قد تكون مفيدة، خصوصاً لمن لديهم تاريخ عائلي مع ارتفاع الضغط أو أمراض القلب. فالقياسات المنتظمة تساعد على ملاحظة أي تغيرات مبكرة قبل أن تتحول إلى مشكلة خطيرة.
لكن من المهم عدم الاعتماد على الأجهزة المنزلية وحدها لاتخاذ قرارات علاجية، بل يجب مشاركة القراءات مع الطبيب للحصول على تقييم صحيح.
متى يجب زيارة الطبيب؟
من الصعب معرفة ما إذا كان ضغط الدم مرتفعاً من دون قياس منتظم، لأن معظم الأشخاص لا يشعرون بأي أعراض حتى عندما تكون القراءات عالية.
ولهذا السبب، تبقى الفحوصات الدورية وزيارات الطبيب ضرورية، خاصة لمن لديهم تاريخ عائلي مع ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب.
وإذا كنت تلاحظ ارتفاعاً متكرراً في قراءات ضغط الدم، أو تعيش تحت ضغط نفسي مزمن، فمن الأفضل التحدث مع الطبيب لتقييم عوامل الخطر ووضع خطة مناسبة.
وقد تشمل الخطة تغييرات في نمط الحياة، أو متابعة منتظمة، أو علاجاً دوائياً عند الحاجة، بحسب حالة كل شخص.
وفي النهاية، لا يمكن فصل الصحة النفسية عن صحة القلب. فالتوتر لا يبقى في الرأس فقط، بل ينعكس على الأوعية الدموية، والقلب، والهرمونات، وضغط الدم. والسيطرة عليه ليست رفاهية، بل خطوة أساسية لحماية الجسم على المدى الطويل.
