يلاحظ كثير من الأشخاص عند بدء التمارين أن إحدى الذراعين أو الساقين تتعب أسرع من الأخرى، أو أن أداء الحركة يكون أسهل في جانب مقارنة بالجانب المقابل. وقد يرتبط ذلك بما يعرف باختلال التوازن العضلي، أي وجود فرق ملحوظ في القوة أو التحكم أو المرونة أو الحجم بين مجموعات عضلية متقابلة أو بين جانبي الجسم.
ولا تعني كل درجة من عدم التماثل وجود مشكلة صحية، فوجود فروق بسيطة بين الجانبين أمر شائع. لكن عندما تصبح هذه الفروق كبيرة أو تؤثر في الحركة أو تترافق مع الألم، فقد تؤدي إلى تغير طريقة توزيع الأحمال أثناء التمرين والحركة اليومية.
وغالبا ما يُشار إلى نوعين رئيسيين من الاختلال العضلي. الأول يرتبط بوضعية الجسم، عندما تختلف قدرة العضلات العميقة والسطحية على دعم القوام أثناء الوقوف أو الجلوس، وقد يظهر ذلك في صورة انحناء واضح في الظهر أو تقدم الرأس إلى الأمام أو شعور متكرر بالألم في الرقبة والظهر.
أما النوع الثاني فيظهر أثناء الحركة، مثل المشي والجري ورفع الأوزان أو أداء التمارين الرياضية، بحيث يعمل أحد الجانبين بكفاءة أكبر من الآخر أو تضطر عضلات معينة إلى التعويض عن ضعف عضلات أخرى، ما قد يؤدي إلى التعب بشكل أسرع أو إلى تكرار بعض الإصابات.
ومن الأسباب الشائعة لهذه المشكلة تكرار الحركات من جهة واحدة. ففي رياضات مثل التنس والبادمنتون والغولف والمبارزة، تعتمد الحركة بصورة أكبر على ذراع أو اتجاه محدد، ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى اختلاف في القوة والتحكم إذا لم يتضمن التدريب تمارين تعويضية للجانب الآخر.
ولا تقتصر المشكلة على الرياضة، إذ يمكن للعادات اليومية أن تلعب دورا أيضا، مثل حمل حقيبة ثقيلة باستمرار على الكتف نفسه، أو الجلوس أمام الحاسوب مع دفع الرأس إلى الأمام، أو الاعتماد دائما على الوضعية نفسها أثناء الجلوس.
كما قد يسهم نمط الحياة قليل الحركة في زيادة بعض الاختلالات. فالجلوس لساعات طويلة يقلل استخدام عضلات الألوية ويضع عضلات الورك في وضع قصير لفترات طويلة، بينما قد تتقدم الكتفين إلى الأمام وتصبح عضلات الصدر أكثر توترا، في مقابل ضعف نسبي في عضلات أعلى الظهر.
وتساعد العضلات العميقة للجذع على تثبيت الجسم والمحافظة على القوام أثناء الحركة والجلوس. وعندما لا تُدرَّب بصورة كافية، قد يتراجع التحكم فيها، فيعتمد الجسم بدرجة أكبر على تراكيب أخرى للحفاظ على الوضعية.
وتظهر الاختلالات أحيانا بعد الإصابات أيضا. فالألم قد يدفع الشخص بصورة تلقائية إلى تجنب تحميل الطرف المصاب، بينما تعمل عضلات أخرى بدرجة أكبر لتعويضه. وإذا استمر نمط الحركة هذا بعد التعافي، فقد يبقى الشخص يستخدم الجانبين بطريقة مختلفة.
ويمكن ملاحظة بعض العلامات في المنزل من خلال تمارين بسيطة تقارن بين كل جانب على حدة. ففي تمارين الاندفاع أو القرفصاء المنقسم، قد تجد أن أداء الحركة على إحدى الساقين أصعب بشكل واضح، أو أن إحدى الركبتين تنحرف إلى الداخل أكثر من الأخرى.
كما يمكن تجربة جسر الألوية بساق واحدة. فإذا كانت عضلات المؤخرة تعمل بوضوح في جانب، بينما يشعر الشخص في الجانب الآخر بتوتر أكبر في أسفل الظهر أو خلف الفخذ، فقد يشير ذلك إلى اختلاف في نمط تشغيل العضلات.
وقد يكون رفع الجسم على أطراف الأصابع بساق واحدة اختبارا بسيطا آخر، إذ يمكن مقارنة عدد التكرارات وجودة الحركة ومدى التعب بين الساقين.
وفي الجزء العلوي من الجسم، يمكن استخدام دمبل بوزن معتدل لأداء الضغط بذراع واحدة، مع مراقبة ما إذا كان الجذع يميل أو يلتف بشكل واضح عند استخدام أحد الجانبين.
ويمكن أيضا تجربة سحب الدمبل بذراع واحدة ومقارنة وضع الكتفين، أو أداء البلانك الجانبي على كل جهة وملاحظة الفرق في القدرة على الثبات، مع الأخذ في الاعتبار أن فارقا بسيطا في الأداء لا يعني بالضرورة وجود مشكلة.
وقد تظهر علامات أخرى عند النظر إلى وضعية الجسم أمام المرآة، مثل تقوس الجزء العلوي من الظهر، أو تقدم الرأس بشكل واضح أمام الكتفين، أو اختلاف ارتفاع الكتفين، أو بروز إحدى لوحي الكتف أكثر من الأخرى.
كما قد يبدو أحد جانبي الحوض أعلى من الآخر أو مختلفا في اتجاهه، لكن تقييم هذه الملاحظات بصريا وحده لا يكفي دائما لتشخيص السبب.
ويستحسن استشارة طبيب أو اختصاصي علاج طبيعي إذا ترافق الاختلاف بين الجانبين مع ألم مستمر في الرقبة أو الظهر أو أسفل الظهر، أو محدودية واضحة في حركة الذراع أو الرأس، أو إذا ظهرت المشكلة بعد إصابة قوية أو كسر أو تمزق عضلي.
وقد يسبب الاختلال الواضح في بعض الحالات تغيرا في ميكانيكية الحركة، بحيث تتحمل عضلات أو مفاصل معينة جهدا أكبر من المعتاد، وهو ما قد يرفع احتمال الشعور بالألم أو التعرض لإصابات الإجهاد المتكرر.
وفي تمارين القوة، قد تستحوذ العضلات الأقوى على الجزء الأكبر من العمل، بينما لا تحصل العضلات الأضعف على التحفيز الكافي. وقد يعيق ذلك التقدم في بعض الحركات إذا كان أحد الأطراف أو العضلات المثبتة أقل قدرة على التحكم بالحمل.
وتعد التمارين الأحادية الطرف من أكثر الوسائل المستخدمة لتقليل الفارق بين الجانبين، لأنها تسمح بتدريب كل طرف بصورة مستقلة. ومن أمثلتها القرفصاء البلغاري، والرفعة الرومانية بساق واحدة، وجسر الألوية بساق واحدة، وسحب الدمبل أو الضغط بذراع واحدة.
ومن الأفضل عادة البدء بالجانب الأضعف، ثم أداء العدد نفسه من التكرارات على الجانب الأقوى، بدلا من السماح للجانب الأقوى بالعمل أكثر. ويمكن استخدام الدمبلات بدلا من البار في بعض التمارين لتقليل قدرة أحد الطرفين على التعويض عن الطرف الآخر.
كما يفيد العمل على حركة المفاصل ومرونة المناطق التي تشعر بالتيبس، إلى جانب تحسين التحكم في الجذع والكتفين والحوض.
وقد تساعد تمارين فتح الصدر، وتحريك العمود الفقري الصدري، وتمارين الورك مثل وضعية 90/90، والاندفاعات العميقة، بشرط أدائها ضمن نطاق مريح ومن دون ألم.
وعند وجود فارق كبير بين الجانبين، قد يكون من المناسب تقليل الوزن المستخدم في التمارين الأساسية مؤقتا والتركيز على جودة الحركة والمدى المناسب، ثم زيادة الحمل تدريجيا مع تحسن التحكم.
وتختلف طريقة تصحيح الاختلال من شخص لآخر بحسب السبب، لذلك لا يوجد برنامج واحد يناسب الجميع. وقد تتضمن الخطة تمارين قوة أحادية الجانب، وتحسين الحركة، وتعديل العادات اليومية، إلى جانب إعادة التأهيل بعد الإصابات عند الحاجة.
