رغم عودة الحديث عن تفشي فيروسات على متن سفن سياحية، تواصل سياحة الرحلات البحرية تسجيل طلب قوي، في مؤشر على قدرة هذا القطاع على تجاوز الأزمات الصحية التي كادت تشله خلال جائحة كورونا.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أثارت حالات مرتبطة بفيروس هانتا ونوروفيروس على متن سفن سياحية مخاوف جديدة بشأن السلامة الصحية في البحر. غير أن خبراء القطاع يرون أن هذه الحوادث لن تؤدي على الأرجح إلى تباطؤ كبير في الإقبال العالمي على رحلات الكروز، التي تعيش حاليا واحدة من أقوى فترات التعافي منذ سنوات.
وجاءت أحدث موجة قلق بعد وفاة ثلاثة ركاب على متن سفينة الرحلات الاستكشافية “هونديوس”، عقب تفش مرتبط بفيروس هانتا بعد توقف في الأرجنتين. وفي الفترة نفسها، أعلنت سفينة سياحية بريطانية رست في بوردو الفرنسية عن تسجيل حالات من نوروفيروس، وهو التهاب معوي شديد العدوى ينتشر غالبا في البيئات المغلقة مثل السفن والفنادق والمدارس.
ورغم هذه العناوين المقلقة، لا تزال الحجوزات قوية. وقال روب كوورتنيك، الأستاذ المشارك في كلية نولان لإدارة الفنادق بجامعة كورنيل، لوكالة أسوشيتد برس: “يبدو أن مستهلك الرحلات البحرية غير قابل للتأثر كثيرا بمثل هذه القصص”.
وتؤكد الأرقام هذا الاتجاه. فحسب الرابطة الدولية لخطوط الرحلات البحرية، من المتوقع أن يسافر 38.3 مليون راكب على متن الرحلات البحرية المحيطية هذا العام، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالرقم القياسي المسجل العام الماضي، والبالغ 37.2 مليون مسافر.
ذاكرة كورونا ما زالت حاضرة
لطالما ارتبطت الرحلات البحرية بمخاوف من الأمراض المعدية، حتى قبل جائحة كورونا. فالسفن السياحية كانت تسجل بين حين وآخر تفشيات لأمراض معوية مثل نوروفيروس، بسبب طبيعة الحياة على متنها، حيث تتقارب المساحات ويتشارك الركاب المطاعم والمرافق والأنشطة.
لكن صورة الكروز تغيرت بشكل كبير سنة 2020، عندما حولت جائحة كوفيد-19 السفن إلى رموز للعزل والخوف من التفشي. وكان من أبرز تلك اللحظات الحجر الصحي الذي فُرض على سفينة “دايموند برينسيس” قبالة اليابان لمدة أسبوعين، بعد رصد إصابات بفيروس كورونا على متنها.
وقال أندرو كوغينز، محلل الرحلات البحرية وأستاذ بجامعة بيس، إن التغطية الأخيرة المرتبطة بفيروس هانتا اكتسبت زخما لأنها أعادت إلى الأذهان تلك المرحلة. وأضاف: “لقد دمرت جائحة كوفيد-19 صناعة الرحلات البحرية”، مشيرا إلى أن نمو أعداد الركاب لم يبدأ في التعافي بشكل واضح إلا حوالي سنة 2022.
ومع ذلك، تسارع التعافي خلال الفترة الأخيرة، حتى إن منصات متخصصة في آسيا، مثل In2 Cruises، ترى أن فيروس هانتا لم يترك أثرا واضحا على سياحة الرحلات البحرية في الهند.
لماذا لا يزال المسافرون يختارون الكروز؟
تعود مرونة قطاع الرحلات البحرية إلى جاذبيته الواسعة. فقد لم تعد هذه الرحلات مقتصرة على المتقاعدين أو المسافرين التقليديين، بل باتت تجذب أيضا فئة الشباب، بمن فيهم جيل الألفية والجيل زد، بفضل العروض الشاملة، والتجارب الاجتماعية، والبرامج السياحية المنظمة.
وأظهر استطلاع حديث لبنك أوف أميركا أن جيل الألفية والجيل زد من بين الفئات الأكثر اهتماما بخوض رحلات بحرية خلال العام المقبل.
كما أن المخاوف الصحية لم تعد أمرا غريبا في عالم السفر. فالمسافرون اليوم يتعاملون مع مخاطر متنوعة، من الأوبئة إلى التسمم الغذائي، ومن موجات الحر إلى مخاوف اضطرابات الطيران. لكن الرحلات البحرية تضخم هذه المخاوف، لأن السفن تشبه مدنا عائمة صغيرة يمكن أن تنتقل فيها العدوى بسرعة عبر المطاعم، وقاعات الترفيه، والممرات، والكبائن.
ورغم ذلك، تبدو الشركات العاملة في القطاع واثقة من استمرار الطلب. فقد أعلنت شركة “أوشن وايد إكسبيديشنز”، المشغلة لسفينة “هونديوس”، أنها لا تتوقع تغييرات تشغيلية بعد حادث هانتا. كما كشفت شركة “فايكينغ” عن أرقام قوية للحجوزات المستقبلية، مؤكدة أن 92 في المائة من رحلاتها لسنة 2026 محجوزة بالفعل.
المخاطرة مقابل التجربة
يبدو أن كثيرين من محبي الرحلات البحرية يتعاملون مع الأمر كمعادلة بين المخاطرة والتجربة. فبالنسبة لهم، تبقى قيمة الرحلة، والراحة، والوجهات المتعددة، والخدمات الشاملة عوامل أقوى من الخوف من احتمال صحي محدود.
كما أن جزءا كبيرا من ركاب الكروز يحجزون رحلاتهم قبل أشهر، وأحيانا قبل سنوات. وهذا يجعل إلغاء الرحلة في اللحظات الأخيرة قرارا مكلفا ماليا.
وقال أندرو كوغينز لوكالة أسوشيتد برس: “إذا كنت ستسافر في رحلة بحرية خلال الأشهر القليلة المقبلة، فأنت غالبا تجاوزت المرحلة التي يمكنك فيها استرداد أموالك”.
وهذا الالتزام المالي، إلى جانب ارتفاع الطلب على السفر القائم على التجارب، يفسر لماذا نادرا ما تترك تفشيات الأمراض أثرا طويل الأمد على صناعة الرحلات البحرية.
قطاع يتعلم من الأزمات
رغم أن المخاطر الصحية لا يمكن إلغاؤها بالكامل، فإن شركات الرحلات البحرية أصبحت أكثر خبرة في إدارة الأزمات بعد تجربة كورونا. وتشمل الإجراءات عادة تعزيز التنظيف، مراقبة الحالات المرضية، عزل المصابين عند الحاجة، وتوفير إرشادات صحية للركاب والطاقم.
ومع ذلك، تبقى طبيعة السفن المغلقة عاملا يجعل الوقاية مسؤولية مشتركة بين الشركات والمسافرين، خاصة فيما يتعلق بغسل اليدين، الإبلاغ عن الأعراض، وتجنب الاختلاط عند الشعور بالمرض.
وفي النهاية، تظهر المؤشرات أن الرحلات البحرية لم تفقد جاذبيتها رغم المخاوف الصحية المتكررة. فالقطاع الذي نجا من واحدة من أكبر أزماته خلال جائحة كورونا، يبدو اليوم أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، مدعوما بطلب عالمي قوي ورغبة متزايدة في السفر المنظم والتجارب البحرية الشاملة.
