لطالما صُنف “الوعي” كواحد من أكثر الألغاز تعقيداً في ميدان العلوم العصبية، إلا أن مقاربة علمية حديثة تطرح تفسيراً مغايراً لآلية تشكله داخل الدماغ. يربط هذا المنظور الجديد بشكل وثيق بين ثلاث عمليات رئيسية: الذاكرة، الإدراك، والتنبؤ بالمستقبل، معتبراً إياها عملية عصبية واحدة ومتكاملة.
وفي ورقة بحثية نظرية نُشرت في دورية “Journal of Cognitive Neuroscience”، قدم باحثون من كلية الطب بجامعة بوسطن فرضية جريئة مفادها أن الدوائر العصبية المسؤولة عن استرجاع الماضي هي ذاتها التي تمنحنا القدرة على استيعاب الحاضر وتخيل المستقبل. يقودنا هذا إلى استنتاج أن الوعي ليس مرآة عاكسة للواقع الخارجي بشكل مباشر، بل هو نتاج لعملية “محاكاة” مستمرة يجريها الدماغ.
الإدراك اللحظي والوهم الزمني
يوضح العلماء أن الشعور البديهي بأننا ندرك العالم في لحظته الآنية الحقيقية هو فعلياً “وهم عصبي”. يعود ذلك إلى التأخير الزمني الطبيعي في معالجة الإشارات الحسية، مما يعني أن ما نعتبره إدراكاً مباشراً للحاضر هو في جوهره “ذكرى واعية” لعمليات تمت معالجتها عبر آليات لا واعية قبل أجزاء من الثانية.
ويقول الدكتور أندرو بودسون، أستاذ علم الأعصاب في جامعة بوسطن والباحث الرئيس في الدراسة، إن الدماغ يبني باستمرار أفضل تقدير ممكن للماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد، مضيفاً: “لا يوجد حد فاصل صارم بين الإدراك والذاكرة على مستوى أجزاء الثانية، فجميعها تعتمد على آليات المحاكاة نفسها”.
الشبكات العصبية ودورها في بناء الواقع
سلطت الدراسة الضوء على الدور المحوري لعدة شبكات عصبية لا تكتفي باسترجاع الذكريات وحسب، بل تشكل الأساس العصبي للتجربة الواعية، وتشمل هذه الشبكات:
- شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network): تلعب دوراً رئيساً في العمليات الذهنية الداخلية.
- شبكات التحكم الجبهي الجداري: المسؤولة عن توجيه الانتباه والتحكم المعرفي.
- شبكة الأهمية (Salience Network): التي تحدد ما يجب التركيز عليه من مدخلات.
ووفقاً للباحثين، فإن هذه الشبكات تعمل بتناغم لتكوين ما يُعرف بـ”نظرية الذاكرة للوعي” التي طرحها بودسون سابقاً. تفترض هذه النظرية أن قراراتنا وأفعالنا الواعية ليست سوى استذكار واعٍ لعمليات لا واعية سبقتها مباشرة.
الغاية من الوعي والتكامل مع النظريات الأخرى
يرى العلماء أن هذا الفهم الجديد يحدد الوظيفة البيولوجية الأساسية للوعي، والتي تتمثل في:
- استخدام الخبرات السابقة لتحليل وفهم اللحظة الراهنة.
- تخيل السيناريوهات المستقبلية المحتملة.
- اتخاذ قرارات أكثر فاعلية بناءً على المعطيات السابقة.
وبحسب هذه النظرية، لا ينحصر الوعي في بقعة دماغية محددة، بل يعتمد على نشاط القشرة المخية بأكملها بوصفها البنية التحتية للذاكرة الصريحة.
يؤكد الفريق البحثي أن هذا الطرح لا يتعارض مع النظريات السائدة، مثل نظرية “مساحة العمل العصبية العالمية” أو نظرية “المعالجة التنبؤية”، بل يعتبر مكملاً لها، حيث تصف كل نظرية جانباً مختلفاً من الظاهرة ذاتها. وتفتح هذه الرؤية آفاقاً واعدة لفهم أعمق لاضطرابات الذاكرة والوعي، مثل الخرف وإصابات الدماغ، مرسخة فكرة أن وعينا بالعالم ليس مجرد انعكاس له، بل قصة يعيد الدماغ تأليفها باستمرار.
