عاد المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية لأول مرة منذ 2004، بعد فوزه على الكاميرون (2-0) مساء الجمعة 9 يناير في الرباط. تأهلٌ طال انتظاره، وأعاد إلى الواجهة عبارة ظلت تتكرر كلما اقترب المغرب من الأدوار الحاسمة ثم تعثّر. هذه المرة، سقطت “العقدة” في بطولة تُقام على أرضه، وبمباراة كانت قد سبقتها أجواء خاصة منذ الإعلان عنها في مادة تمهيدية بعنوان: “المغرب أمام الكاميرون في “ربع الكان – مواجهة بين الحسابات المتزنة والحماس الشديد!”، قبل أن تأتي التسعين دقيقة لتؤكد أن الحسم جاء أقرب إلى “الحسابات” منه إلى الانفعال.
مباراة بملامح مغربية خالصة: صرامة، توازن، وفعالية
في ملعب مولاي عبد الله وأمام مدرجات ممتلئة، لعب المغرب لقاءه بملامح واضحة. لم يتعامل مع الربع النهائي كمساحة لاستعراض القوة، بل كمحطة يجب عبورها بأقل أخطاء ممكنة. وليد الركراكي لم يغيّر شيئًا تقريبًا: نفس المنظومة التي فازت على تنزانيا دخلت أمام الكاميرون، وكأن الرسالة داخل المجموعة بسيطة: الاستقرار هو السلاح.
ياسين بونو كان نقطة أمان في الخلف، بينما تشكل الدفاع من حكيمي ومزراوي على الرواقين، وأكرد وماسينا في القلب، وهو خط نجح في تقليص مخاطر الخصوم طوال البطولة. في الوسط، قاد نيل العيناوي الإيقاع، ومعه الخنوس وصيباري لضمان التوازن بين قطع الكرات وبناء الهجمات. وفي المقدمة، تحرك دياز والكعبي والزلزولي على إيقاع واحد: البحث عن المساحات وتوجيه الضغط نحو دفاع الكاميرون الذي بدا متحفظًا منذ البداية.
هدف دياز: لحظة ترجمة السيطرة إلى رقم على اللوحة
سيطر المغرب على مجريات البداية بفضل ضغطه الجماعي واستعادته السريعة للكرة، ومع مرور الدقائق أصبح واضحًا أن الكاميرون تعاني في الخروج بالكرة وفي خلق فرص حقيقية. الاستحواذ كان في صالح المغرب، لكن الأهم أنه كان استحواذًا وظيفيًا؛ ينتهي بمحاولة اختراق أو كرة ثابتة تُستثمر جيدًا.
في الدقيقة 26 جاءت لحظة التفوق: ركلة ركنية نفذها حكيمي بإتقان، داخل المنطقة تحرك الكعبي وأربك التنظيم الدفاعي، ثم سقطت الكرة في المكان الذي يُحسن دياز التعامل معه. أنهى الكرة في الشباك ليوقع هدفه الخامس في البطولة، مؤكّدًا أن حضوره لا يرتبط فقط بصناعة اللعب، بل بالحسم داخل المنطقة عندما تتاح الفرصة.
وبعد الهدف، لم ينجرف المغرب وراء إيقاع مفتوح. خفّض السرعة قليلًا قرب نهاية الشوط الأول، فحاولت الكاميرون التقدم ورفع حدة الضغط. ارتفعت الالتحامات، وازدادت العصبية، وتلقى قائد الكاميرون تولو بطاقة صفراء في الدقيقة 39 إثر تدخل قوي على دياز، ما أدى إلى إيقافه. وقبل الاستراحة، اقترب الزلزولي من هدف ثانٍ بتسديدة مقوسة لامست الخطر قرب الزاوية العليا لمرمى إيباسي.
صيباري يضع الختم… وتبديلات لإغلاق المساحات
في الشوط الثاني، واصل المغرب نفس النهج: ضغط بلا تهور، وسيطرة بلا مغامرة. الفرص جاءت، لكن الهدف الثاني تأخر، إلى أن قرر الركراكي التدخل في الدقيقة 66 بتغييرين: يوسف النصيري وسفيان أمرابط دخلا بدل الكعبي والخنوس، لإضافة قوة بدنية وخبرة في إدارة الرتم.
الهدف الثاني جاء في الدقيقة 74. كرة وصلت من الجهة اليسرى بعد تمريرة من الزلزولي، ارتدت من أحد المدافعين لتتهيأ أمام إسماعيل صيباري، الذي تابعها من مسافة قريبة إلى الشباك. هدف أنهى عمليًا الجدل، وسمح للمغرب بالدخول في مرحلة إدارة المباراة حتى النهاية.
وفي الدقائق الأخيرة، أجرى الركراكي تغييرات إضافية: رحيمي وتارغالين بدلا صيباري والزلزولي (85)، ثم شارك إيغاماني بدل دياز (89). منذ ذلك الوقت، تحولت المباراة إلى سيطرة مغربية على التفاصيل، دون فتح المجال أمام الكاميرون للعودة، حتى صافرة النهاية بقيادة الحكم الموريتاني دهان أبيض.
عودة إلى نصف النهائي… وكسر سردية الفشل عند العتبة
انتهت المواجهة بفوز المغرب 2-0، وتأهل إلى نصف النهائي لأول مرة منذ 2004. هذه العودة لا تُقرأ فقط كبطاقة عبور، بل كنهاية مرحلة طويلة من “قرب دائم” دون وصول حقيقي. لسنوات، كان المغرب يمتلك العناصر والآمال، لكنه يخسر في لحظة جزئية: ركلة جزاء مهدرة، هدف متأخر، أو ارتباك في وقت إضافي.
2004: مرجع الذاكرة المغربية
تبقى نسخة تونس 2004 معيارًا في الذاكرة المغربية. هناك وصل منتخب بلا ضجيج إلى النهائي، عبر مسار مليء بالمحطات، قبل أن يخسر أمام تونس بسبب أخطاء دفاعية. بعدها جاءت سنوات تبددت فيها الاستمرارية: 2006 خروج بلا أهداف، ثم 2008 و2012 و2013 حيث تكررت خيبات مبكرة أو نتائج لم تعكس الطموح.
2017 أعاد المغرب للواجهة، لكن ربع النهائي أمام مصر أوقف المسار. وفي 2019، كانت الصدمة أمام بنين بعد ركلة جزاء ضائعة في الوقت بدل الضائع ثم إقصاء بركلات الترجيح. وفي 2021، تكرر السقوط أمام مصر بعد وقت إضافي، رغم أن الأداء لم يكن سيئًا. أما 2023، فحمل ضغط ما بعد كأس العالم، قبل أن تأتي الهزيمة أمام جنوب أفريقيا وتعيد النقاش من جديد حول التعامل مع الترشيح.
2025: خطوة تبدو مختلفة
في البطولة المقامة على الأراضي المغربية، تقدم المنتخب مباراة بعد أخرى دون شعارات كبيرة، لكن مع إحساس واضح بأن الفريق يتعلم من ضربات الماضي. الانتصار على الكاميرون لم يكن عرضًا هجوميًا مفتوحًا، لكنه كان فوزًا “مغربيًا” بمعنى الدقة والهدوء والانضباط. ومع بلوغ نصف النهائي بعد 22 عامًا، يبدو أن التاريخ لم يعد يطارد المنتخب كما كان، بل أصبح خلفه، في حين يتقدم هو إلى الأمام.
