كيف تعلّم جسم الإنسان «إحباط» محاولاتنا لحرق السعرات بالرياضة
هناك اعتقاد شائع بأن وباء السمنة في العالم الحديث هو نتيجة مباشرة لأسلوب الحياة الخامل: نجلس في المكاتب، نتحرك قليلاً، ونقود السيارات بدلاً من المشي. الفكرة البسيطة تقول: نحن أقل نشاطاً من أسلافنا، لذلك نحرق سعرات أقل ونسمن أكثر. لكن أبحاثاً حديثة على جماعات بشرية تعيش حتى اليوم تقريباً كما كان يعيش الإنسان في العصر الحجري، تقوّض هذا التصور من أساسه، وتدفع إلى إعادة التفكير في فهمنا لعمليات الأيض، وتاريخ تطور الإنسان، ودور النشاط البدني في التحكم بالوزن.
أنماط حياة مختلفة… وسعرات حرارية متشابهة
الطاقة هي حجر الأساس في علم الأحياء كله. على مدى نحو مليوني سنة من التطور، عاش الإنسان وأسلافه على الصيد وجمع الثمار. الزراعة ظهرت منذ حوالي 10 آلاف سنة فقط، أما المجتمع الصناعي والمدن الكبرى فلم يظهر إلا خلال بضعة أجيال أخيرة.
قبيلة «الهَدزا» في شمال تنزانيا تُعد واحدة من آخر المجموعات البشرية التي ما زالت تعيش تقريباً كما عاش أسلافنا لآلاف السنين.
حياة أفراد هذه القبيلة شاقة وتتطلب لياقة عالية:
- الرجال يقطعون يومياً كيلومترات مشياً بحثاً عن طرائد، ويصطادون بالقوس والسهم.
- في حال عدم توفر الصيد، يتسلقون الأشجار لارتفاع 15 متراً لجمع العسل من خلايا النحل.
- النساء يخرجن كل صباح لجمع الثمار والجذور وكل ما يصلح للأكل.
- حتى الأطفال يشاركون في جلب الماء من ينابيع تبعد أكثر من كيلومتر عن المخيم.
منطقي جداً أن نتوقع أن يحرق أفراد الهدزا يومياً سعرات أكثر بكثير من موظفين يجلسون في مكاتب مكيفة في أوروبا أو أمريكا. لسنوات طويلة بُنيت نظريات السمنة على هذا الافتراض: قلة الحركة = قلة استهلاك للطاقة = سمنة.
لكن عند قياس إنفاق الطاقة بدقة باستخدام تقنية «الماء المزدوج الموسوم» (الاعتماد على نظائر مشعة من الديوتيريوم والأكسجين-18) كانت المفاجأة:
- رجال الهدزا يحرقون في المتوسط حوالي 2600 سعرة حرارية يومياً.
- النساء حوالي 1900 سعرة حرارية.
هذه الأرقام تكاد تطابق متوسط إنفاق الطاقة اليومي لدى رجال ونساء يعيشون في الولايات المتحدة وأوروبا، حتى بعد تصحيح الفروق في حجم الجسم ونسبة الدهون والعمر والجنس.
دراسة أخرى عام 2008 قارنت بين نساء من الريف النيجيري ونساء أمريكيات من شيكاغو من أصل إفريقي. رغم اختلاف مستويات النشاط البدني، لم تُسجَّل فروق في إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة.
وفي تحليل موسّع شمل بيانات 98 دراسة من مختلف أنحاء العالم، تبيّن أن الإنسان المعاصر، رغم «ترف» الحياة الحديثة، يملك إنفاقاً يومياً للطاقة قريباً من إنفاق أشخاص يعيشون في بيئات فقيرة قاسية يحتاجون فيها إلى جهد بدني مستمر للبقاء.
وضع «توفير الطاقة»
الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يظهر هذا النمط من الإنفاق «الثابت» للطاقة.
فقد وُجد أن الرئيسيات (كالقرود والشمبانزي) في المختبرات والحدائق تحرق تقريباً القدر نفسه من السعرات التي تحرقها مثيلاتها في البرية، رغم اختلاف واسع في مستوى النشاط اليومي.
نتائج مشابهة ظهرت في دراسات على:
- الكنغر في أستراليا (2013).
- الباندا في الصين (2015)، سواء في الأسر أو في البرية.
لتوضيح هذه الظاهرة الغريبة، قرر باحثون مثل هيرمان بونتزر وزملاؤه دراسة العلاقة بين الحركة واستهلاك الطاقة داخل نفس المجتمع، لا بين مجتمعات مختلفة فقط.
في إطار مشروع كبير معروف باسم «دراسة أنماط الانتقال الوبائي»، حمل أكثر من 300 شخص أجهزة تتبع للنشاط البدني طوال أسبوع، مع قياس إنفاق الطاقة بتقنية الماء المزدوج الموسوم.
النتيجة:
- الأشخاص الخاملون كانوا يحرقون فقط حوالي 200 سعرة حرارية أقل يومياً من الأشخاص ذوي النشاط المتوسط.
- عند مستوى عالٍ من النشاط، كان الإنفاق اليومي للطاقة يتسطّح ويتوقف عن الارتفاع: أي أن الأشخاص الأكثر نشاطاً لم يحرقوا أكثر بكثير من أصحاب النشاط المتوسط.
بكلمات أخرى: عندما يتجاوز النشاط البدني حداً معيناً، يبدو أن الجسم «يعوّض» في مكان آخر، ويحافظ على إجمالي استهلاك الطاقة ضمن نطاق ثابت تقريباً. نفس ما لوحظ بين الهدزا وسكان المدن ظهر أيضاً على مستوى الأفراد.
كيف يوفّر الجسم الطاقة؟
كيف ينجح الجسم إذن في حرق كمية قريبة من السعرات رغم اختلاف مستوى الحركة؟
من الواضح أن أفراد الهدزا لا يمتلكون عضلات «سحرية» أكثر كفاءة من غيرهم: فكمية الطاقة التي يحرقونها لكل ميل مشي مماثلة تقريباً لما يحرقه أوروبي يمشي نفس المسافة.
الفرضية الأقوى هي أن الجسم يتكيّف داخلياً:
- قد يُفضّل الشخص النشط الجلوس أكثر خارج التمرين.
- ربما يصبح النوم أعمق أو أطول قليلاً.
- أو يتم خفض استهلاك الطاقة في عمليات داخلية غير مرئية، مثل نشاط جهاز المناعة أو إنتاج بعض الهرمونات.
بعض الدراسات تُظهر أن التمارين المنتظمة قد:
- تقلل من النشاط الالتهابي المزمن في الجسم.
- تخفّض مستويات بعض الهرمونات (مثل الإسترоген وبعض الهرمونات الجنسية الأخرى).
تجارب على حيوانات مخبرية أظهرت أن زيادة الحركة اليومية لا تغيّر إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة، لكنها تقلّل من طول الدورات الإنجابية وتبطئ بعض عمليات الإصلاح الخلوي.
يبدو أن الإنسان، مثل كثير من الأنواع الأخرى، طوّر عبر التطور آلية للحفاظ على استهلاك الطاقة ضمن نطاق معيّن، عبر إعادة توزيعها بين الوظائف المختلفة تبعاً للضغط الواقع على الجسم.
وما دور الرياضة إذن؟
إذا كان إنفاق الطاقة اليومي «مقيداً» بيولوجياً إلى حد ما، فإن ذلك يعني أن السمنة ليست مشكلة «كسل» بالدرجة الأولى، بل مشكلة «سعرات زائدة».
الزيادة في الوزن تحدث عندما يتجاوز ما نأخذه من سعرات ما نحرقه منها.
وحين نعرف أن إنفاق الطاقة لم يتغير كثيراً عبر تاريخ الإنسان، يصبح المتهم الرئيسي في وباء السمنة هو زيادة السعرات الداخلة، لا تراجع السعرات الخارجة.
هذا يفسّر لماذا لا تؤدي التمارين وحدها دائماً إلى نتائج كبيرة في خفض الوزن، خاصة على المدى البعيد. المشكلة ليست أن التمرينات «ضعيفة» أو «غير كافية»، بل أن الجسم مصمَّم أصلاً ليعوض جزءاً كبيراً من هذه الزيادة في الاستهلاك.
لكن هذا لا يعني أن النشاط البدني غير مهم – بل على العكس تماماً.
فوائد التمرين موثقة بشكل واسع، وتشمل:
- تحسين صحة القلب والأوعية.
- دعم الجهاز المناعي.
- تحسين وظائف الدماغ.
- الحفاظ على القدرات البدنية والذهنية في الشيخوخة.
يرى بونتزر وغيره أن تكيف الأيض مع النشاط البدني قد يكون مفيداً للصحة، لأنه:
- يقلل من الطاقة المخصصة لحالات الالتهاب المزمن الضار.
- يوجه الموارد إلى أنظمة حيوية أهم على المدى الطويل.
الرياضة للصحة… والنظام الغذائي للوزن
ما نأكله له تأثير مباشر وحاسم على وزننا، لكن دور الرياضة يتركز أكثر في الصحة الشاملة.
يمكن التلخيص كالتالي:
- الرياضة: أداة أساسية لصحة القلب، الدماغ، العظام، والهرمونات، وللعيش بحيوية أطول.
- النظام الغذائي: الأداة الأكثر فعالية للتحكم في الوزن عبر خلق عجز في السعرات (تناول أقل مما يُحرق).
الدراسات المقارنة بين الإنسان والرئيسيات الأخرى تظهر أن البشر، حتى بعد تصحيح الفروق في حجم الجسم والنشاط، يحرقون ويستهلكون في المتوسط حوالي 400 سعرة حرارية أكثر يومياً من الشمبانزي أو البونوبو، والفارق أكبر مقارنة بالغرلة والأورانغوتان.
هذه «السعرات الإضافية» في الإنسان تُستخدم لدعم:
- دماغ أكبر وأعلى استهلاكاً للطاقة.
- قدرة أكبر على الإنجاب.
- عمر أطول.
أجسامنا تطورت لتكون «آلات عالية الاستهلاك للطاقة» مقارنة بالرئيسيات الأخرى، لكنها لا تزال تعمل ضمن حدود بيولوجية معينة. عندما يتجاوز المدخول من الطاقة قدرة الجسم على استعمالها، يبدأ الفائض بالتراكم على شكل دهون، مع كل ما يرافق ذلك من مخاطر صحية.
الرسالة النهائية واضحة:
لا يمكنك «معاقبة» نفسك في صالة الرياضة لتعويض الإفراط المزمن في الأكل إلى ما لا نهاية.
لخسارة الوزن على المدى الطويل، المفتاح هو التحكم في السعرات الداخلة عبر الغذاء، بينما تبقى الرياضة ضرورة للحفاظ على صحة القلب والدماغ والعظام والجهاز الهرموني، وليس بديلاً عن النظام الغذائي المتوازن.
