يقع كثيرون ممن يهدفون إلى إنقاص الوزن في خطأ متكرر: خفض السعرات الحرارية بشكل حاد. والمفارقة أن النتيجة قد تكون عكس المتوقع، لأن الجسم لا يتعامل مع “الجوع المفاجئ” كخطة رشاقة، بل كحالة تهديد تستدعي التكيف للبقاء. لهذا يصبح فهم ما يحدث داخل الجسم أساسيا قبل اتخاذ قرارات قاسية في الأكل.
الجسم والسعرات الحرارية: كيف تعمل المعادلة؟
لفهم المشكلة، يجب أولا معرفة كيف يستهلك الجسم الطاقة وكيف يخزنها.
السعرة الحرارية، علميا، هي كمية الطاقة اللازمة لرفع حرارة غرام واحد من الماء درجة مئوية واحدة. أما في التغذية، فهي ببساطة وحدة قياس للطاقة التي نحصل عليها من الطعام والشراب، ثم يستهلكها الجسم في وظائفه أو يخزن الفائض منها.
ويستخدم الجسم السعرات في ثلاث عمليات رئيسية:
- الأيض الأساسي (BMR): الحد الأدنى من الطاقة اللازمة لتشغيل الوظائف الحيوية مثل عمل الدماغ والقلب والرئتين والكلى والجهاز العصبي.
- الهضم (التأثير الحراري للطعام): جزء من الطاقة يُصرف لهضم الطعام وامتصاصه وتمثيله.
- النشاط البدني: طاقة الحركة اليومية والتمارين وكل ما يرفع الاستهلاك.
وبناء على ذلك تبدو القاعدة واضحة:
- إذا كان الحرق أكبر من الاستهلاك يحدث نقص وزن
- إذا كان الاستهلاك أكبر من الحرق يحدث زيادة وزن
- إذا تساويا يبقى الوزن مستقرا
وتُحسب احتياجات الأيض الأساسي بطرق متعددة، منها الحاسبات الإلكترونية أو معادلات مثل ميفلين-سانت جورج وهاريس-بينيديكت. لكن المشكلة تظهر عندما تُطبق القاعدة بشكل متطرف عبر خفض حاد للسعرات.
لماذا خفض السعرات بشكل حاد قد يأتي بنتيجة عكسية؟
عندما يحصل الجسم على طاقة أقل مما يحتاجه بشكل منتظم، قد يتباطأ الأيض بدل أن يستمر بالحرق كما كان. هذا ليس “كسلا” من الجسم، بل آلية دفاعية هدفها تقليل الاستهلاك للحفاظ على الطاقة.
تشير دراسات عديدة إلى أن الحميات منخفضة السعرات قد تُقلل عدد السعرات التي يحرقها الجسم بنسبة قد تصل إلى 23%، وهو ما يُعرف بـالتكيف الأيضي: مجموعة تغيرات تجعل الجسم يحرق أقل ويستخدم الطاقة بكفاءة أعلى كرد فعل على نقص الطاقة. والأهم أن هذا الانخفاض قد يستمر حتى بعد التوقف عن الحمية، لأن الجسم يحتفظ بسلوك “الوقاية” ضد تكرار حالة المجاعة.
ولهذا يربط باحثون بين التكيف الأيضي وبين حقيقة أن أكثر من 80% من الأشخاص يستعيدون الوزن بعد التوقف عن نظام منخفض السعرات.
فقدان العضلات: خسارة مضاعفة
من أخطر آثار تقليل السعرات بشكل كبير هو فقدان الكتلة العضلية، خصوصا عند انخفاض البروتين أو ضعف النشاط البدني. وهذا مؤثر لأن العضلات تستهلك سعرات أكثر من الدهون حتى أثناء الراحة. عندما تقل العضلات، ينخفض معدل الحرق اليومي، ويصبح الحفاظ على الوزن أصعب.
نقص العناصر الغذائية وقلة الطاقة
خفض الطعام بقوة يعني تلقائيا تقليل الفيتامينات والمعادن. ومع نقص عناصر مثل فيتامين B12 والحديد وحمض الفوليك قد يظهر التعب والإرهاق وربما فقر الدم. كما أن تقليل الكربوهيدرات بشكل حاد (وهو محور شائع في كثير من الحميات) قد يؤدي إلى انخفاض الطاقة والعصبية، خصوصا عند قطع السكريات فجأة.
وقد تُحد الحميات منخفضة السعرات أيضا من عناصر أخرى مثل:
- البروتين
- الكالسيوم
- البيوتين والثيامين
- فيتامين A
- المغنيسيوم
تأثير سلبي على الخصوبة
التقييد الشديد للسعرات قد يضر الخصوبة، خصوصا عند النساء، لأن التبويض مرتبط بتوازن الهرمونات. كي يحدث التبويض يجب أن ترتفع مستويات الإستروجين والهرمون اللوتيني (LH). وتُظهر بيانات بحثية أن مستوى LH يتأثر جزئيا بكمية السعرات في غذاء المرأة، وأن خفض السعرات بنسبة 22% إلى 42% دون الحاجة اليومية قد يرتبط بتراجع الوظيفة الإنجابية.
ضعف العظام
تناول سعرات قليلة جدا قد يضعف العظام لأن تقييد السعرات قد يُخفض مستويات الإستروجين والتستوستيرون. وانخفاض هذين الهرمونين يرتبط بانخفاض بناء العظام وزيادة قابلية تكسرها.
ضعف المناعة وزيادة العدوى
الحرمان من الطاقة والمغذيات قد يرفع قابلية الإصابة بالعدوى، ومنها نزلات البرد، خصوصا عند اقتران ذلك بنشاط بدني مرتفع. وفي دراسات قارنت رياضيين في رياضات يضغط فيها “شكل الجسم” بقوة (مثل الملاكمة والجمباز والغطس) برياضيين في رياضات أقل تركيزا على الوزن، لوحظ أن الفئة الأولى كانت أكثر ميلا لمحاولات إنقاص الوزن وأكثر عرضة للمرض خلال الأشهر الثلاثة السابقة بنحو الضعف.
الجوع المستمر والاضطراب الهرموني للشهية
مع نقص السعرات يرتفع هرمون الجريلين المرتبط بالجوع، وتنخفض مستويات اللبتين المرتبط بالشبع. النتيجة هي شهية أقوى، وإحساس أقل بالامتلاء، وصعوبة أكبر في الالتزام، ثم ارتفاع احتمال الأكل المفرط بعد انتهاء الحمية.
كيف تنقص الوزن بطريقة أكثر أمانا واستدامة؟
بدل الانتقال مباشرة إلى عجز حاد، تُبنى الخطة على خطوات تدريجية:
- احسب الأيض الأساسي لتعرف الحد الأدنى الذي يحتاجه جسمك لوظائفه الحيوية.
- قدّر احتياجك اليومي وفق النشاط، باستعمال حاسبة أو معادلات معروفة.
- اختر عجزا معتدلا مثل 300 إلى 500 سعرة يوميا، لأنه يقلل احتمال التكيف الأيضي ويعطي نزولا مستمرا للدهون دون إدخال الجسم في “وضع المجاعة”.
- ارفع البروتين بما يكفي للحفاظ على العضلات أثناء العجز، وغالبا ما يُذكر نطاق 1.6 إلى 2.0 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم. كما أن البروتين يرفع التأثير الحراري للطعام، أي أن هضمه يستهلك طاقة أكثر.
- اعتمد الدهون الصحية وتجنب الدهون المتحولة والمصنعة، لأن الدهون الصحية تدخل في توازن الهرمونات والشبع.
- اجعل تمارين القوة جزءا أساسيا لأنها الأداة الأوضح للحفاظ على الكتلة العضلية أثناء العجز، ما يساعد على حماية الأيض على المدى الأطول.
- الماء والتعافي عنصران حاسمان، لأن الجفاف وضعف النوم والإجهاد يرفعان صعوبة الالتزام ويؤثران على الأداء والشهية.
