يبدأ كثير من الناس رحلة إنقاص الوزن بالخطوة نفسها تقريبًا: فتح تطبيق لحساب السعرات، إدخال كل لقمة، ومحاولة خلق «عجز حراري» بأي ثمن. في البداية يبدو الأمر منطقيًا وبسيطًا: نأكل أقل فننحف أكثر. لكن النتيجة في الواقع غالبًا ما تكون «حمية تجويع»، نقصًا في العناصر الغذائية، اختيار أطعمة رخيصة وفقيرة بالمغذيات لمجرّد أنها قليلة السعرات، ثم لاحقًا انهيارًا في الإرادة ونوبات من الأكل بشراهة.
السؤال إذن: هل هذا الهوس بتلك «السعرات اللعينة» مفيد حقًا؟ وهل هناك طريق آخر أكثر صحة وواقعية للوصول إلى جسم متوازن؟
متى يكون حساب السعرات منطقيًا؟
من المهم أولًا توضيح فكرة أساسية: كمية السعرات الحرارية ليست أهم من جودة الغذاء.
نعم، لا يمكن تجاهل الجانب الكمي تمامًا. إذا كنت تتجاوز احتياجك من الطاقة بشكل مستمر، فسيزداد وزنك لا محالة. وإذا تناولت طعامًا أقل بكثير من احتياجاتك لفترة طويلة، فسوف ينخفض وزنك، لكن ليس دائمًا عن طريق حرق الدهون فقط. في كثير من الحالات، ومع اضطراب في السلوك الغذائي، يبدأ الجسم في «التغذي» على كتلة العضلات، فتضعف البنية العضلية وتنهار الصحة العامة تدريجيًا.
إلى جانب ذلك، من الصعب جدًّا حساب «الرقم الصحيح» بدقة. فاحتياجك اليومي من الطاقة ليس ثابتًا؛ بل يتغير تبعًا لمستوى نشاطك، وجودة نومك، وحالتك الهرمونية، وحتى درجة التوتر. الآلة الحاسبة التي تستخدمها لا تعرف كل هذا؛ هي تمنحك مجرد تقدير تقريبي، لا حقيقة مطلقة.
لماذا قد يكون الإفراط في حساب السعرات خطيرًا؟
المشكلة ليست في معرفة أن قطعة الشوكولاتة تحتوي تقريبًا على عدد معيّن من السعرات، بل في تحويل الأكل إلى عملية حسابية بحتة. هناك عدة نقاط جوهرية توضح لماذا قد يكون هذا النهج غير صحي:
أولًا، هذا الأسلوب لا يتماشى مع فسيولوجيا الجسم ولا مع الراحة النفسية. التركيز المستمر على الأرقام، والخوف من تجاوز الحد اليومي، ومراقبة كل لقمة، كلها أمور تخلق توترًا وصراعًا داخليًا. كثير من الأشخاص يطوّرون اضطرابات نفسية بعد فترة من هذا النمط: اضطرابات في الشهية، هوس بالطعام «المثالي»، خوف مبالغ فيه من بعض الأصناف… إلى جانب حالات معروفة مثل فقدان الشهية والشره المرضي وغيرها.
ثانيًا، الأرقام التي نقرأها على الملصقات ليست «حقائق مخبرية» يُقاس فيها كل منتج على حدة. في العادة يتم حساب القيمة الغذائية نظريًا: تُؤخذ وصفة المنتج، تُحسب كمية البروتينات والدهون والكربوهيدرات، ثم تُضرب في القيم الحرارية لكل غرام، وتُجمع. النتيجة رقم متوسط، تقريبي، لا أكثر.
ثالثًا، الجسم لا يتعامل مع الطعام كما تتعامل معه الآلة الحاسبة. فامتصاص المغذيات يختلف من شخص لآخر تبعًا لعوامل عديدة، منها:
- خصائص الجهاز الهضمي وسلامة أعضائه.
- مدى مضغ الطعام جيدًا قبل بلعه.
- تركيبة الميكروبيوم (بكتيريا الأمعاء)، والتي تختلف جذريًا بين الأفراد.
يضاف إلى ذلك اختلاف نشاط البنكرياس من شخص إلى آخر، إذ تعتمد جودة هضم بعض المكونات على قوة إفراز إنزيماته. كذلك يلعب الجهاز الصفراوي دورًا مهمًا في استهلاك الدهون؛ فبعض الأشخاص يفرزون صفراء كافية وفي الوقت المناسب، بينما يعاني آخرون من نقص أو بطء في تدفقها، ما يعني أن نسبة من الدهون – وبالتالي من السعرات – تمر عبر الأمعاء من دون أن تُستفاد بالكامل.
لهذا السبب، لا يمكن التعامل مع أرقام السعرات كأنها حقائق دقيقة وثابتة تنطبق على كل أجسام البشر بالطريقة نفسها.
ما هي «السعرة الحرارية» أصلًا؟
من الناحية التقنية، السعرة الحرارية هي مقدار الطاقة المنطلقة عند حرق كمية معيارية من الطعام المجفف في جهاز خاص. هذا التعريف ينبع من المختبر: يتم حرق الطعام، وقياس الطاقة الحرارية الناتجة، ثم تحويلها إلى رقم.
اعتمادًا على هذا المبدأ، تُكتب قيم السعرات على المنتجات الغذائية. لكن في الحياة الواقعية، الأمور أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد حرق قطعة طعام في أنبوب زجاجي.
لا تأخذ هذه الصيغ في الاعتبار طريقة تحضير الطعام، أو مدة حفظه قبل تناوله، أو درجة نضجه، أو نسبة الألياف فيه، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في مقدار ما يمتصه الجسم بالفعل. تشير بعض التقديرات إلى أن محتوى السعرات الفعلي في بعض الأطعمة الجاهزة والمجمّدة يمكن أن يقل بما يصل إلى 70% عمّا هو مكتوب نظريًا، بينما قد تنخفض السعرات المتاحة من الأطعمة الغنية بالألياف بما يصل إلى 30%.
كما أن طول القولون نفسه يلعب دورًا؛ فقد ثبت أن الأشخاص ذوي القولون الأطول قادرون على استخلاص قدر أكبر من الطاقة من الطعام مقارنة بمن لديهم قولون أقصر.
تلفت أخصائية التغذية يوليا زاغورا الانتباه إلى نقطة أخرى مهمة: متوسط الاستهلاك اليومي من السعرات للرجال والنساء مجرد قيمة إحصائية تقريبية، لا تراعي بدقة الفروق الفردية في العمر، والطول، والوزن، وتركيب الجسم، ومستوى النشاط البدني. لهذا السبب، قلة فقط تعرف فعلًا كم تحتاج من الطاقة، حتى لو حفظت الأرقام «المعيارية» عن ظهر قلب.
هل كل السعرات الحرارية صحية بنفس القدر؟
لا جدوى حقيقية من حساب كل سعرة إذا كان النظام الغذائي في أساسه فقيرًا أو غير متوازن.
التركيز على الأرقام وحدها قد يؤدي إلى اختلال كبير في نسب البروتينات والدهون والكربوهيدرات والألياف والفيتامينات والمعادن. الإفراط أو النقص في أي من هذه العناصر يمكن أن يسبب مشكلات صحية مزمنة على المدى الطويل، حتى لو بقي عدد السعرات في «الحد المسموح».
لنتخيّل شخصين متماثلين في العمر والوزن ومعدّل الأيض، يتناول كل منهما 2000 سعرة حرارية في اليوم. الأول يحصل على هذه السعرات من الأسماك والخضراوات الكاملة، والثاني يحصل عليها من الخبز والمعكرونة والأطعمة المكررة. من الواضح أن وزنهما، وكتلة عضلاتهما، ونسبة الدهون في جسديهما، وحتى مستوى الطاقة والتركيز، لن تكون متشابهة إطلاقًا.
المثال البسيط التالي يوضح الفكرة أكثر:
- 100 سعرة حرارية يمكن أن تأتي من حوالي 500 غرام من البروكلي، الغني بالألياف والمعادن والفيتامينات والماء.
- أو من 20 غرامًا فقط من السجق، المليء باللحوم المصنعة والملح والدهون المشبعة.
- أو من كوب من مشروب غازي محلى بالسكر، لا يقدم تقريبًا شيئًا سوى السكر.
في كل الحالات يتحدث الناس عن «100 سعرة»، لكن القيمة الغذائية، وتأثيرها في الشبع، وطريقة تعامل الجسم معها، مختلفة جذريًا.
يعتمد إنتاج الطاقة من الطعام على مصدر هذه الطاقة، وعلى مدى مضغ الطعام جيدًا، وعلى مدى سهولة هضمه، وعلى ما نتناوله معه في الوجبة نفسها.
مؤشر نسبة السكر في الدم… والاختلاف بين الأجسام
أحد المفاهيم التي تُستخدم كثيرًا في تفسير استجابة الجسم للطعام هو مؤشر نسبة السكر في الدم (GI). وهو مقياس يعكس سرعة ارتفاع مستوى السكر في الدم بعد تناول نوع معين من الطعام.
أظهرت دراسة طريفة مثلًا أن تناول الأرز الأبيض باستخدام عيدان الطعام، بدلًا من الملعقة، يؤدي إلى ارتفاع أبطأ في مستوى السكر في الدم، وبالتالي إلى مؤشر سكر أقل. السبب أن الأكل بالعصي يجعل اللقمة أصغر، والسرعة أبطأ، مما يغير طريقة استجابة الجسم للوجبة نفسها.
يرى كثير من الخبراء أن مؤشر نسبة السكر في الدم عامل مهم في التحكم في الوزن، لكن التجارب السريرية على البشر لم تنجح حتى الآن في إثبات فروق حاسمة في وزن الجسم أو صحة القلب بين من يتبعون أنظمة ذات مؤشر عالٍ أو منخفض إذا كانت السعرات الكلية متقاربة.
ومع ذلك، ثبت أن استجابة الجسم للسعرات تعتمد بشكل كبير على صفات فردية: التركيب الجيني، نوعية البكتيريا المعوية، الحالة الهرمونية، وحتى نمط الحياة. عند تحويل الطعام إلى رقم على الملصق لا يُؤخذ أي من هذه العوامل في الحسبان.
لهذا يمكن القول إن «السعرة الحرارية هي سعرة حرارية» من الناحية الفيزيائية البحتة، لكنها في جسدك أنت، وفي أمعائك أنت، تحمل معنى فرديًا وخاصًا، لا يشبه بالضرورة معناها في جسد شخص آخر.
ما البديل إذن؟
الاستنتاج ليس أن ننسى الأرقام كليًا، بل أن نتعامل معها كأداة تقريبية، لا كمرجع وحيد. البديل الصحي يقوم على:
- التركيز على نوعية الطعام قبل كميته.
- اختيار نظام غذائي متنوع ومتوازن يحتوي على ما يكفي من البروتينات، والدهون الصحية، والكربوهيدرات المعقدة، والألياف، والفيتامينات، والمعادن.
- الاستماع لإشارات الجوع والشبع بدل الانقياد الأعمى لشاشة التطبيق.
- استشارة أخصائي تغذية عند الحاجة لوضع خطة تناسب جسدك وحياتك بدل اتباع معادلات عامة لا تعرف شيئًا عنك.
حساب السعرات قد يكون مفيدًا لفترة قصيرة كأداة للتوعية بكمية الطعام، لكنه يتحول إلى عبء وإلى مصدر اضطراب نفسي وجسدي عندما يصبح غاية في حد ذاته. الطريق الأذكى نحو «جسم الأحلام» يبدأ من علاقة أكثر هدوءًا ووعيًا مع الطعام، لا من آلة حاسبة صارمة تُدخلنا في حرب يومية مع طبقنا ومع أنفسنا.
