خبرني – أفاد باحثون في مستشفى سانت مايكل في تورنتو بأن الحمية الكيتونية قد ترتبط بانخفاض طفيف في أعراض الاكتئاب لدى البالغين، في حين لا تزال الأدلة المتوفرة بشأن تأثيرها الإيجابي على القلق غير حاسمة حتى الآن.
يشير الباحثون إلى أن عدداً من الاضطرابات النفسية الكبرى، مثل اضطراب الاكتئاب الشديد، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام، ترتبط باختلال في عمل الميتوكوندريا داخل الخلايا، إلى جانب مقاومة الأنسولين، وضعف التمثيل الغذائي للغلوكوز في الدماغ، فضلاً عن وجود التهاب جهازي على مستوى أعضاء الجسم المختلفة، وهو ما يعزز الاهتمام بالنهج الغذائي كجزء من مقاربة علاجية أشمل.
الحمية الكيتونية: علاج غذائي غير دوائي قديم – جديد
بحسب موقع “مديكال إكسبريس”، لم تظهر الحمية الكيتونية فجأة في عالم الصحة، بل دخلت المجال الطبي قبل نحو قرن من الزمن كخيار غير دوائي لعلاج حالات الصرع المقاوِم للأدوية، وذلك بفضل تركيبتها المعتمدة على نسبة عالية من الدهون، ومستوى معتدل من البروتينات، وانخفاض شديد في الكربوهيدرات.
ويقوم جوهر هذه الحمية على تقييد تناول الكربوهيدرات بشكل مستمر، ما يدفع الجسم إلى تغيير مصدر طاقته الأساسي. فبدلاً من الاعتماد على الغلوكوز، يتحول الدماغ إلى استخدام ما يُعرف بأجسام الكيتون كمصدر رئيسي للطاقة. هذا التحول الأيضي يؤثر بشكل مباشر في وظيفة الميتوكوندريا، ومستويات الإجهاد التأكسدي، وكذلك في إشارات الالتهاب داخل الجسم.
هذه الآليات مجتمعة هي التي دفعت العلماء للتساؤل عما إذا كانت الحمية الكيتونية قادرة على لعب دور في تعديل بعض المسارات الأيضية والالتهابية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب والقلق.
كيتو والصحة النفسية: مراجعة علمية واسعة
في الدراسة الأخيرة، أجرى فريق الباحثين مراجعة منهجية شاملة لتقييم العلاقة بين الأنظمة الغذائية الكيتونية ومخرجات الصحة النفسية لدى البالغين، مع تركيز خاص على أعراض الاكتئاب والقلق.
شملت المراجعة 50 دراسة من 15 دولة مختلفة، ضمت في مجموعها حوالي 42 ألف شخص تراوحت أعمارهم بين 18 و70 عاماً، معظمهم من فئات سكانية غير مشخصة نفسياً باضطرابات مزمنة. وتناولت هذه الأعمال البحثية تأثير الحمية الكيتونية على عدة محاور، من بينها ميكروبات الأمعاء، ووظيفة الشبكة العصبية، وكذلك تداخلها مع الديناميكيات الدوائية لبعض الأدوية المستخدمة في تثبيت الحالة المزاجية.
وأشارت النتائج إلى أن تغيّر البيئة الأيضية والالتهابية تحت تأثير حمية كيتو قد ينعكس على الدماغ ودوائره العصبية المرتبطة بالمزاج، مع الإشارة إلى أن كثيراً من هذه المعطيات لا تزال قيد الدراسة والتوثيق العلمي.
انخفاض في أعراض الاكتئاب.. ولكن بصورة محدودة
أظهرت المراجعة أن الدراسات التي استعانت بقياسات بيوكيميائية لمستويات الكيتونات في الجسم، أي تلك التي راقبت بدقة دخول المتطوعين في الحالة الكيتونية والمحافظة عليها، كانت أكثر ارتباطاً بملاحظة تحسن في أعراض الاكتئاب لدى المشاركين.
هذا التحسن وُصف بأنه “انخفاض طفيف” في شدة الأعراض، ما يعني أن الحمية الكيتونية قد تمثل عاملاً مساعداً ضمن خطة علاجية شاملة، لكنها لا تُعد بديلاً عن العلاج النفسي أو الدوائي الموصوف من قبل الأطباء. كما شدد الباحثون على أن هذا الأثر الإيجابي لا يمكن تعميمه على جميع المرضى، نظراً لتباين الاستجابة الفردية، واختلاف شدة الاضطراب والحالة الصحية العامة.
مع ذلك، يرى فريق البحث أن هذه النتائج تمثل إشارة مهمة تستحق المزيد من المتابعة في دراسات أكبر وأكثر دقة، خاصة مع تزايد الاهتمام بدور التغذية في دعم الصحة النفسية.
ماذا عن القلق؟ أدلة أولية وغير حاسمة
في المقابل، لم تُظهر البيانات المتاحة وجود تأثيرات ذات دلالة إحصائية واضحة بين اتباع حمية كيتو وتراجع أعراض القلق. وبحسب الباحثين، فإن التأثيرات المحتملة تظل في مرحلة “المؤشرات الأولية”، إذ لوحظت بعض الإشارات إلى تحسن متوسط في أعراض القلق بمرور الوقت لدى المشاركين في التدخلات الكيتونية، لكن هذه الإشارات لم ترقَ إلى مستوى اليقين العلمي.
ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل، من بينها محدودية حجم بعض العينات، وتباين تصميم الدراسات، واختلاف المقاييس المستخدمة لتقييم القلق. لذلك يؤكد الفريق العلمي أن الحديث عن تأثير مثبت لحمية كيتو على القلق لا يزال سابقاً لأوانه، وأن هناك حاجة ملحة إلى تجارب سريرية أكثر صرامة لتوضيح الصورة.
حمية كيتو ليست حلاً سحريًا.. واستشارة الطبيب ضرورية
رغم ما تثيره نتائج هذه الدراسة من اهتمام حول دور الحمية الكيتونية في دعم الصحة النفسية، خاصة في ما يتعلق بأعراض الاكتئاب، فإن الخبراء يحذرون من التعامل معها كحل سحري أو بديل عن العلاج الطبي المتكامل. فالحمية الكيتونية نظام غذائي صارم، قد لا يناسب الجميع، ويحتاج إلى متابعة دقيقة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، أو يتناولون أدوية تؤثر في استقلاب الجسم.
كما يشدد المختصون على ضرورة استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية قبل البدء في أي نظام غذائي مكثف، وخاصة في حالة وجود تاريخ مرضي نفسي أو عضوي، إذ قد تتداخل التغييرات الأيضية التي تُحدثها الحمية مع تأثير بعض الأدوية، أو تؤثر في توازن الجسم بشكل غير متوقع.
في النهاية، تُظهر هذه المراجعة العلمية أن حمية كيتو قد تملك دوراً مساعداً في تخفيف بعض أعراض الاكتئاب لدى البالغين، بينما يبقى تأثيرها على القلق موضوعاً مفتوحاً للبحث. وبين التفاؤل العلمي والحذر الطبي، تبقى النصيحة الأساسية هي الاعتماد على مقاربة شاملة للصحة النفسية تجمع بين العلاج المهني المعتمد ونمط حياة متوازن وغذاء مدروس.
