رغم أن الوصول لوضعية الـ”سبليت” يبدو في الظاهر أقل تعقيدًا من مهارات يومية كقيادة السيارة، إلا أن كثيرين يظلون عالقين في منتصف الطريق دون تقدم حقيقي. في الغالب ليست المشكلة في التمرين نفسه، بل في استراتيجيات غير فعّالة وأسباب خفية تعرقل جسمك وعقلك عن الانفتاح والحركة بحرية.
لنقترب من هذه الأسباب واحدًا تلو الآخر.
أولًا: عقدة نفسية قبل أن تكون عضلية
إذا كنت من الأشخاص الهادئين المحبين للسيطرة على كل التفاصيل، فغالبًا ما ينعكس ذلك على جسدك في صورة توتر دائم وانكماش خفي في العضلات. مع مرور السنوات، يتراكم هذا “الشد الربيعي” داخل الأنسجة، فيصعب على جسمك أن يستسلم لحالة الاسترخاء الضرورية في تمارين التمدد.
يصبح الأمر وكأنك في صراع مستمر مع جهازك العصبي؛ هو يرسل إشارات خطر، والعضلات ترد بالانقباض. يضاف إلى ذلك أن وضعية التمدد العميق تُشعر الكثيرين بالهشاشة، وكأنهم إن جلسوا على الأرض فلن يتمكنوا من النهوض، وهذا يجعل الوصول إلى الأرض نفسيًا أصعب بكثير، خصوصًا لدى الشخصيات “المتحكمة”.
الحل يبدأ من الرأس قبل العضلات: عليك أولًا أن “تمددي دماغك” وتعتادي فكرة المدى الحركي الواسع ليصبح طبيعيًا. ويمكن تحقيق ذلك عبر الجمع بين التنفس العميق والحركة، مع ممارسة منتظمة بوعي وتركيز على الإحساس بالجسم بدل مقاومته.
ثانيًا: تأثير الهرمونات على مرونتك
من الأمور المدهشة أن القدرة على التمدد لا تتوقف فقط على التمرين، بل ترتبط أيضًا بمستوى هرمون الإستروجين، الذي يلعب دورًا محوريًا في وظائف عديدة في جسم المرأة. عندما يكون مستوى هذا الهرمون منخفضًا، قد تشعرين بتيبّس في المفاصل، وتوتر في العضلات، وإحساس عام بالصلابة وصعوبة في الحركة.
كما أن ارتفاع هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) يمكن أن يزيد من هذا الشعور، ويخلق حالة من “عدم الراحة في الجسد” يصعب معها الاسترخاء في التمددات العميقة. وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن استجابة العضلات للتمرين تختلف من مرحلة لأخرى ضمن الدورة الشهرية (مع ملاحظة أن مرحلة التبويض هي الأنسب للتمدد العميق)، يصبح من المنطقي التفكير في فحص هرموناتك الأساسية. لن يكون إجراء التحاليل الطبية خطوة زائدة، بل قد يكون مفتاحًا لفهم جسدك والتعامل معه بذكاء.
ثالثًا: إصابات قديمة لا تزال تتحكم فيك
من يتجاوز سن الثامنة عشرة عادة ما يكون لديه “أرشيف” من الآلام والإصابات: وجع مزمن في الرقبة أو أسفل الظهر، شد بعد حمل أوزان، أو إصابات رياضية لم تُعالج كما يجب. مع الوقت، قد تتطور هذه المشاكل إلى فتق، أو نتوءات، أو شقوق في الأنسجة، وكلها تؤثر مباشرة في قدرتك على التمدد.
قد يبدو أن هذه قضايا طبية منفصلة عن تمارين الـ”سبليت”، لكنها في الواقع متداخلة إلى حد كبير. العمود الفقري نظام معقد؛ الألم يظهر في منطقة، والتعويض يحدث في منطقة أخرى، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في موضع ثالث تمامًا. فإذا كنت تعاني مثلًا من مشاكل في أسفل الظهر، فسيكون من الصعب جدًّا وضع الفخذ الخلفي بشكل مستقيم في وضعية الشق على الأرض، ما يقيّد حركتك رغم التزامك بالتمارين.
وفي حالات الإصابات التي خلفت ندوبًا في الجلد أو الأوتار أو الأربطة أو اللفافة، يحدث انكماش حركي (تقييد مؤقت أو دائم في حركة المفصل)، ما يستدعي تدخلًا واعيًا، لا مجرد إصرار على التمدد. من الحكيم البدء بالتصوير بالرنين المغناطيسي للحصول على صورة دقيقة، لأن بعض التمارين محظورة تمامًا على من يعانون من مشاكل محددة في الظهر.
رابعًا: استراتيجية تمرين خاطئة من الأساس
تمرين الشق (السبليت) يشبه حل لغز متكامل: عليك العمل على مرونة الركبة، وعضلات الفخذ الخلفية، ومنطقة الأربية (المنطقة الداخلية للفخذ)، وليس الضغط على جزء واحد وإهمال الباقي. لكن ما يُرى في الواقع غالبًا هو استخدام عشوائي لمجموعة من التمارين المتضاربة، بعضها مناسب للأطفال أو الرياضيين المحترفين وليس للبالغين العاديين.
كثيرون يلجؤون إلى مدربين كانوا في السابق لاعبي جمباز أو راقصي باليه، تعوّدوا على أسلوب المدرسة القديمة القائم على السحب القسري والضغط حتى الألم والدموع، ثم ينقلون نفس الأسلوب إلى المتدربين اليوم. النتيجة؟ في أحسن الأحوال، لا تقدّم يُذكر، وفي أسوأها إصابات قد تُلازمك طويلًا.
الأنسب هو اختيار مدرب يعتمد نهجًا فرديًا، يهتم بالمرونة الديناميكية والنشاط العضلي، لا بشعار “سنضغط أكثر وستتألمين الآن ثم تشكريننا لاحقًا”. الجسم يحتاج لاستجابة ذكية تتماشى مع تاريخه وحالته، لا مع نموذج نظري مثالي.
خامسًا: سوء تقدير الوقت اللازم للنتيجة
“كل شيء ممكن، لكن المستحيل يتطلب وقتًا أطول” هي عبارتي المُحفزة المُفضلة. كثير من الإعلانات والوعود التسويقية تبيع وهم “الشَق الكامل في شهر”، وهذا قد ينجح فقط مع فئة صغيرة تمتلك أصلًا فرط مرونة في المفاصل أو تضخمًا في النسيج الضام، أما الغالبية فستنتهي محاولاتهم بإحباط وألم وربما إصابة.
الواقع أن دفع العضلات إلى مدى حركي جديد عملية غير مريحة، وأحيانًا مؤلمة، وبعض الأنسجة تحتاج حتى سنة كاملة للتكيف الكامل مع التمدد. لذلك من الأفضل بكثير العمل وفق خطة تدريجية هادئة، مع الالتزام بالتكرار المنتظم.
القاعدة الذهبية: التمرن من مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًّا على الأقل، مع دمج التمدد مع تقنيات إرخاء اللفافة العضلية (MFR)، يمنح الجسم الوقت الكافي للانفتاح دون صدمات، ويُحوِّل حلم الـ”سبليت” من هدف مستحيل إلى إنجاز قابل للتحقيق بمرور الوقت.
