قد تكون الموسيقى أكثر من مجرد وسيلة للترفيه أو تحسين المزاج، إذ يرى متخصصون في الأعصاب أن الغناء أو تعلم العزف على آلة موسيقية يمكن أن يشكلا نوعا من التدريب الذهني المفيد، خصوصا لدى كبار السن.
وبحسب تقرير نشره موقع WGN-TV، فإن الأنشطة الموسيقية تجمع بين التركيز والذاكرة والتنسيق والحركة والتفاعل الاجتماعي، وهي عناصر تساعد على إبقاء الدماغ نشطا ومشاركا في مهام متعددة في الوقت نفسه.
نشاط يتطلب من الدماغ العمل باستمرار
تقول الدكتورة سيما باتيل، اختصاصية طب الأعصاب في مؤسسة “إنديفور هيلث”: “الدماغ عضلة، لذا يجب استخدامها وإبقاؤها في حالة نشاط وتفاعل مستمر”.
ورغم أن الدماغ ليس عضلة من الناحية التشريحية، فإن الفكرة المقصودة تتمثل في أهمية الاستمرار في تحديه بأنشطة تتطلب التعلم والانتباه والتذكر.
وتعد الموسيقى مثالا واضحا على ذلك، لأن أداء لحن أو حفظ كلمات أغنية أو متابعة الإيقاع يتطلب تشغيل عدة وظائف معرفية في وقت واحد.
الغناء يجمع بين العقل والعلاقات الاجتماعية
لا تقتصر قيمة الغناء على الجانب الذهني فقط، إذ يمكن للغناء ضمن مجموعة أن يعزز الشعور بالانتماء والتواصل مع الآخرين.
وتقول ماري غيليسبي إنها تستمتع كثيرا بالغناء وما يصاحبه من مشاعر إيجابية، مضيفة أنها على ثقة “من أن الأمر مرتبط بالتنفس والشعور بالبهجة، لكن السبب الحقيقي يكمن في روح المجتمع والروابط الإنسانية والصداقات التي تنشأ” بين أفراد المجموعة.
وقد تكون هذه الروابط الاجتماعية مهمة بشكل خاص مع التقدم في العمر، لأن التفاعل المنتظم مع الآخرين يعد جزءا أساسيا من الحفاظ على جودة الحياة والنشاط النفسي.
المرونة العصبية في قلب الفكرة
ترتبط الفوائد المحتملة للموسيقى أيضا بما يعرف بالمرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تعديل روابطه وبناء مسارات جديدة استجابة للتعلم والتجربة.
وتوضح دكتورة باتيل قائلة: “تتشابك الخلايا العصبية وتبني مسارات تواصل واسعة -وهو ما يُطلق عليه مصطلح (المرونة العصبية)، فالدماغ يتمتع بهذه القدرة على التكيف والتغيير، لذا يتم تحفيزه قدر الإمكان للحفاظ على استمرارية هذه الروابط”.
وتعني هذه القدرة أن الدماغ يظل قادرا على التكيف طوال الحياة، وإن كانت هذه العملية تتأثر بالعمر والحالة الصحية وعوامل أخرى.
لكن لا توجد أدلة تسمح باعتبار الموسيقى وسيلة مضمونة لمنع الخرف أو الأمراض العصبية، وإنما يمكن النظر إليها كجزء من نمط حياة يحافظ على النشاط الذهني.
العزف يوفر تدريبا ذهنيا مركبا
حتى بالنسبة لمن لا يحب الغناء، يمكن تعلم آلة موسيقية أن يقدم نوعا مشابها من التحفيز العقلي.
وتشير باتيل إلى أن العزف على البيانو أو الغيتار أو غيرهما يتطلب تذكر النوتات وترتيبها وتنفيذها بتسلسل دقيق.
وتشارك في هذه العملية مجموعة من المهارات، مثل الانتباه والذاكرة وسرعة الاستجابة والتنسيق بين العين واليد، إضافة إلى ما يعرف بالوظائف التنفيذية المسؤولة عن التخطيط وتنظيم الخطوات.
ولهذا يمكن أن يتحول تعلم الموسيقى إلى تمرين ذهني مستمر، خصوصا عندما يتدرج الشخص في الصعوبة ويواجه ألحانا أو مهارات جديدة.
تأثيرات تتجاوز الدماغ
تشمل الأنشطة الموسيقية أيضا بعض الجوانب الجسدية، مثل ضبط التنفس أثناء الغناء أو تحريك القدمين واليدين مع الإيقاع أو الوقوف والرقص.
وقد تساهم هذه الحركات البسيطة في زيادة النشاط البدني اليومي، رغم أنها لا تغني عن التمارين الرياضية المنتظمة.
وفي المحصلة، يمكن للموسيقى أن تمنح كبار السن وسيلة ممتعة تجمع بين التحفيز العقلي والتواصل الاجتماعي والحركة، وهي فوائد قد تدعم الصحة العامة وجودة الحياة.
لكن الحفاظ على صحة الدماغ يظل مرتبطا بمجموعة أوسع من العوامل، تشمل النشاط البدني، والنوم الجيد، والغذاء المتوازن، والسيطرة على الأمراض المزمنة، إلى جانب الاستمرار في التعلم والتفاعل الاجتماعي.
