تُعد حمامات الثلج من وسائل الاستشفاء التي يلجأ إليها عدد كبير من الرياضيين، خصوصا بعد فترات التدريب المكثف أو المنافسات المتتالية. وتعتمد هذه الممارسة على غمر الجسم في ماء بارد لفترة محددة بهدف تخفيف ألم العضلات والشعور بالإجهاد وتسريع الإحساس بالتعافي.
وغالبا ما تتراوح درجة حرارة الماء المستخدمة بين 10 و15 درجة مئوية، وهي درجة كافية لإحداث استجابة فسيولوجية واضحة من دون الحاجة بالضرورة إلى إضافة كميات كبيرة من الثلج.
ورغم شهرة هذه الطريقة، فإنها لا تعوض النوم الجيد أو النظام الغذائي المتوازن أو الراحة الكافية، بل ينبغي النظر إليها كجزء إضافي من برنامج التعافي وليس باعتبارها وسيلة أساسية أو حلا لكل مشكلات ما بعد التمرين.
كيف يؤثر البرد في العضلات والجسم؟
عند دخول الماء البارد، تستجيب الأوعية الدموية بسرعة من خلال الانقباض، ما يؤدي إلى تغير تدفق الدم وانخفاض حرارة الأنسجة وتباطؤ سرعة انتقال الإشارات العصبية.
وهذا التأثير يساعد على تقليل الإحساس بالألم والانزعاج العضلي بصورة مؤقتة، وهو أحد أهم الأسباب التي تدفع الرياضيين إلى استخدام حمامات الثلج بعد المجهود البدني.
كما قد يسهم البرد في الحد من التورم الناتج عن الإجهاد العضلي، إذ تتعرض العضلات خلال التمارين الشديدة لتمزقات مجهرية صغيرة ترتبط باستجابة التهابية طبيعية.
ويساعد انخفاض الحرارة على تقليل تدفق الدم إلى الأنسجة لفترة قصيرة، كما يبطئ بعض العمليات المرتبطة بالالتهاب والتورم.
إضافة إلى ذلك، يخفض البرد سرعة التوصيل العصبي، ما يمنحه تأثيرا مسكنا مؤقتا ويساعد على تقليل الإحساس بالألم بعد الجهد.
وعند الخروج من الماء والبدء في استعادة حرارة الجسم، تتوسع الأوعية الدموية مجددا ويزداد تدفق الدم إلى الأنسجة.
لكن بعض الادعاءات الشائعة، مثل أن هذه العملية “تطرد السموم” أو تزيل جميع نواتج الأيض من العضلات، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة علمية مطلقة.
وتشير الأدلة المتوفرة إلى أن أحد أكثر التأثيرات وضوحا لحمامات الماء البارد هو تقليل ألم العضلات المتأخر، أو ما يعرف بألم ما بعد التمرين، خلال 24 إلى 48 ساعة التالية للنشاط البدني.
وقد يشعر الرياضيون أيضا بأنهم أصبحوا أكثر استعدادا لخوض جلسة تدريبية أو منافسة جديدة مقارنة بالراحة السلبية وحدها.
وفي حالات الإجهاد الحراري الشديد أو ضربة الشمس الناتجة عن النشاط الرياضي، يعتبر التبريد السريع للجسم بالماء البارد من وسائل التدخل المهمة، لكنه يختلف عن الاستخدام الروتيني لحمام الثلج بعد التمرين.
وفي المقابل، تشير بعض الدراسات إلى أن الغمر المنتظم في الماء البارد مباشرة بعد تمارين القوة قد يؤثر سلبا في بعض عمليات التكيف العضلي، بما في ذلك نمو العضلات، خصوصا عند استخدامه بشكل متكرر.
ولهذا فإن قاعدة “كلما كان الماء أبرد وكلما طال الوقت كانت النتيجة أفضل” ليست صحيحة. فزيادة شدة البرودة أو إطالة مدة الغمر قد تزيد المخاطر من دون أن تقدم فائدة إضافية واضحة.
ومن المعتقدات المنتشرة أيضا أن حمامات الثلج تقضي تماما على الالتهاب العضلي، بينما الواقع أن الالتهاب جزء من عملية التكيف وإصلاح الأنسجة بعد التدريب، ولا يكون إيقافه بالكامل هدفا مطلوبا دائما.
كما أن استخدام الحمام البارد بعد كل حصة تدريبية ليس ضروريا. فإذا كان لدى الرياضي وقت كاف للنوم والتغذية والراحة، فقد تكون هذه الوسائل أكثر أهمية من اللجوء المستمر إلى التبريد.
أما الحديث عن أن حمامات الثلج تمنح مناعة مؤكدة ضد نزلات البرد أو تحسن الصحة بصورة شاملة، فلا تدعمه أدلة كافية تسمح بتعميمه على جميع الأشخاص.
مخاطر حمامات الثلج ومتى يجب تجنبها؟
رغم أن التعرض القصير للماء البارد قد يكون مقبولا لدى الشخص السليم والمتدرب، فإن الغمر المفاجئ في ماء شديد البرودة يمكن أن يسبب ما يعرف بصدمة البرد.
وقد يؤدي ذلك إلى شهيق مفاجئ وتسارع في التنفس وضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، وهو ما قد يكون مزعجا أو خطرا لدى بعض الأشخاص.
كما أن البقاء لفترة طويلة في الماء البارد قد يسبب انخفاض حرارة الجسم، ومن علاماته الارتجاف الشديد وبطء الاستجابة واضطراب التركيز والتنسيق الحركي.
وفي الحالات الشديدة، يمكن أن يؤدي التعرض المفرط للبرد إلى إصابات في الجلد أو الأعصاب الطرفية.
وينبغي إيقاف الجلسة فورا إذا ظهر ألم أو ضغط في الصدر، أو ضيق في التنفس، أو دوار شديد، أو ارتباك، أو ارتجاف غير طبيعي، أو تدهور مفاجئ في الحالة العامة.
ويجب توخي حذر خاص لدى الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه، واضطرابات النظم القلبي، وأمراض الشرايين التاجية، أو من لديهم تاريخ سابق مع الجلطات القلبية أو الدماغية.
كما قد لا تكون هذه الممارسة مناسبة لمن يعانون مشكلات شديدة في الدورة الدموية أو بعض أمراض الأوردة، أو لديهم جروح مفتوحة والتهابات جلدية نشطة.
ويُفضل تجنبها أيضا أثناء الإصابة بعدوى حادة أو ارتفاع في درجة الحرارة أو في بعض أمراض الكلى، إلا بعد استشارة الطبيب.
أما خلال الحمل، فلا ينصح بالبدء في حمامات الثلج من دون تقييم طبي مسبق، خصوصا بسبب التأثير المفاجئ للبرد في الدورة الدموية والجهاز العصبي.
الطريقة الصحيحة لاستخدام حمام بارد
للاستفادة من الغمر في الماء البارد مع تقليل المخاطر، يفضل الالتزام ببروتوكول معتدل بدلا من البحث عن أقصى درجات البرودة.
يمكن البدء بدرجة حرارة تتراوح بين 10 و15 درجة مئوية، وهي درجة مستخدمة في العديد من بروتوكولات الاستشفاء الرياضي.
ولا يحتاج المبتدئ إلى إضافة الثلج منذ الجلسة الأولى، بل يمكن البدء بماء بارد فقط حتى يعتاد الجسم على الإحساس.
أما مدة الجلسة فغالبا ما تكون بين 10 و15 دقيقة لدى الأشخاص المعتادين على هذه الممارسة، بينما يمكن للمبتدئين البدء بثلاث إلى خمس دقائق فقط وزيادة المدة تدريجيا.
ويفضل أن يكون الغمر إلى مستوى الخصر أو الصدر بحسب خبرة الشخص وقدرته على التحمل، مع تجنب إدخال الجسم بالكامل إلى الماء البارد منذ المحاولة الأولى.
ومن حيث التكرار، لا توجد ضرورة لاستخدام حمامات الثلج يوميا، وقد تكون مرة إلى ثلاث مرات أسبوعيا كافية في حال وجود حاجة فعلية إليها.
كما يفضل عدم استخدامها بشكل تلقائي مباشرة بعد كل تمرين قوة، خاصة إذا كان الهدف الرئيسي هو زيادة الكتلة العضلية.
بعد الخروج من الماء، ينبغي خلع الملابس المبللة وتجفيف الجسم جيدا والبدء في التدفئة بصورة تدريجية داخل مكان دافئ.
ولا يُنصح بالانتقال مباشرة من الماء شديد البرودة إلى حمام شديد السخونة أو ساونا، لأن التغير الحراري المفاجئ قد يسبب دوارا أو ضغطا إضافيا على الدورة الدموية لدى بعض الأشخاص.
بدائل أقل شدة من حمامات الثلج
إذا كان الغمر الكامل في الماء البارد غير مريح، يمكن اللجوء إلى خيارات أبسط وأكثر تدريجا.
من بينها الاستحمام المتناوب بين الماء الدافئ والبارد، حيث يتم الانتقال بين ماء تتراوح حرارته تقريبا بين 38 و40 درجة وماء أبرد بين 15 و20 درجة، لفترات قصيرة تتراوح عادة بين 30 و60 ثانية.
كما يمكن استخدام الكمادات الباردة على مناطق معينة مثل الركبة أو الكاحل أو الكتف لمدة محدودة، مع وضع حاجز قماشي بين الجلد ومصدر البرودة لتجنب الإصابة.
وتعد حمامات القدمين والساقين بالماء البارد خيارا مناسبا لبعض العدائين ولاعبي كرة القدم بعد المسافات الطويلة، لأنها توفر تبريدا موضعيا من دون الحاجة إلى غمر الجسم بالكامل.
وتظل حمامات الثلج أكثر فائدة في الفترات التي يحتاج فيها الرياضي إلى التعافي السريع، مثل البطولات أو السباقات المتقاربة، لكنها ليست شرطا أساسيا لكل شخص يمارس الرياضة.
وفي معظم الحالات، يبقى النوم الكافي والتغذية المتوازنة وتنظيم الأحمال التدريبية عناصر أكثر أهمية للاستشفاء طويل المدى من أي تقنية باردة تستخدم بعد التمرين.
