تعد آلام الرقبة والكتفين من أكثر المشكلات شيوعا، خاصة مع نمط الحياة الذي يعتمد على الجلوس لساعات طويلة أمام الهواتف وأجهزة الحاسوب، وقلة الحركة، إضافة إلى العادات اليومية غير الصحيحة التي قد تؤدي إلى إجهاد العضلات وتشنجها.
وقد تتراوح شدة الألم بين انزعاج بسيط يحد من الحركة اليومية، وحالات أكثر قوة تستدعي تقييما طبيا، خصوصا عندما يكون الألم مرتبطا بإصابة أو مشكلة في الأعصاب أو العمود الفقري.
ويعد تحديد السبب الأساسي للألم خطوة مهمة لاختيار العلاج المناسب، لأن آلام الرقبة والكتف قد تنتج عن أسباب عضلية بسيطة، كما قد تكون أحيانا مرتبطة بمشكلة صحية تحتاج إلى متابعة متخصصة.
أبرز أسباب آلام الرقبة والكتفين
ترتبط عضلات وأعصاب الرقبة والكتف بشكل وثيق، ولذلك قد ينتقل الألم بسهولة من منطقة إلى أخرى، أو يظهر في الكتف رغم أن مصدر المشكلة الأساسي موجود في الرقبة.
ومن أكثر الأسباب شيوعا الإجهاد العضلي الناتج عن إبقاء الرأس منحنيا إلى الأمام لفترات طويلة أثناء استخدام الهاتف أو العمل على الحاسوب. كما قد يؤدي النوم في وضعية غير مريحة أو استخدام وسادة غير مناسبة إلى تشنج العضلات وظهور الألم عند الاستيقاظ.
وقد يحدث الألم أيضا نتيجة رفع الأوزان بطريقة غير صحيحة أو ممارسة الرياضة دون إحماء كاف، ما يزيد الضغط على عضلات الرقبة والكتفين.
ومن الأسباب الأخرى وجود مشكلات هيكلية في العمود الفقري، مثل الانزلاق الغضروفي العنقي، حيث قد يضغط القرص الغضروفي على الأعصاب الممتدة نحو الكتف والذراع، فيظهر الألم مصحوبا أحيانا بالتنميل أو الوخز.
كما يمكن أن تؤدي التغيرات التنكسية المرتبطة بالعمر، ومنها خشونة فقرات الرقبة وتآكل الغضاريف، إلى تضيق المسافات بين الفقرات وزيادة الضغط على المفاصل أو الأعصاب.
وتشكل الإصابات سببا آخر مهما، مثل إصابة الرقبة الناتجة عن حركة مفاجئة وسريعة إلى الخلف والأمام أثناء بعض حوادث السيارات.
وقد تكون المشكلة في الكتف نفسه، كما يحدث في التهابات أو تمزقات أوتار الكفة المدورة، وهي مجموعة من العضلات والأوتار التي تساعد على تثبيت مفصل الكتف وتحريكه، وقد يمتد الألم الناتج عنها إلى الرقبة.
أما انضغاط جذور الأعصاب في الفقرات العنقية فقد يسبب ألما يبدأ من الرقبة ويمتد إلى الكتف أو الذراع، وقد يصاحبه ضعف أو خدر أو شعور بالوخز.
كيف يشخّص الطبيب سبب الألم؟
يبدأ التشخيص عادة بمراجعة التاريخ الطبي وطبيعة الأعراض، بما في ذلك توقيت ظهور الألم، والأنشطة التي تزيده أو تخففه، ووجود إصابة سابقة أو أعراض عصبية مرافقة.
كما يفحص الطبيب مدى حركة الرقبة والكتفين، وقوة العضلات، وردود الأفعال العصبية، والإحساس في الذراعين واليدين.
وقد يطلب الطبيب بعض الفحوصات التصويرية عند الحاجة، مثل الأشعة السينية، التي تساعد على الكشف عن الكسور أو التغيرات التنكسية أو ضيق المسافات بين الفقرات.
أما التصوير بالرنين المغناطيسي فيوفر صورا أكثر تفصيلا للأقراص الغضروفية والأعصاب والأربطة والأنسجة الرخوة، ولذلك قد يكون مفيدا عند الاشتباه بانزلاق غضروفي أو ضغط على الأعصاب.
وقد يستخدم التصوير المقطعي في بعض الحالات للحصول على تفاصيل دقيقة عن العظام والمفاصل، خاصة عند وجود إصابة معقدة.
وفي حال وجود أعراض تشير إلى تأثر الأعصاب، يمكن اللجوء إلى تخطيط العضلات والأعصاب لتقييم قدرة الأعصاب على نقل الإشارات إلى العضلات وتحديد موقع المشكلة بصورة أدق.
خيارات العلاج والتعافي
يعتمد العلاج على السبب وشدة الأعراض، وغالبا ما تبدأ الحالات البسيطة بإجراءات تحفظية لا تحتاج إلى تدخل جراحي.
ومن الخطوات الأساسية تعديل الأنشطة اليومية وتجنب الحركات التي تزيد الألم، مع عدم التوقف عن الحركة تماما لفترات طويلة، لأن الجمود قد يؤدي إلى زيادة تيبس العضلات والمفاصل.
وقد تساعد الكمادات الباردة خلال الفترة الأولى بعد بعض الإصابات الحادة على تقليل الألم والتورم، بينما تستخدم الكمادات الدافئة لاحقا في بعض الحالات للمساعدة على إرخاء العضلات المشدودة.
ويلعب العلاج الطبيعي دورا مهما في كثير من الحالات من خلال تمارين الاستطالة وتقوية عضلات الرقبة والكتف وتحسين وضعية الجسم أثناء الجلوس والحركة، ما قد يقلل الضغط على الفقرات والمفاصل.
وقد تستخدم مسكنات الألم أو مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية مثل الإيبوبروفين عند ملاءمتها للحالة الصحية للشخص، ويفضل استشارة الطبيب أو الصيدلي، خاصة لدى من يعانون أمراض المعدة أو الكلى أو القلب أو يتناولون أدوية أخرى.
وفي بعض الحالات التي يصاحبها تشنج عضلي شديد، قد يصف الطبيب أدوية لإرخاء العضلات لفترة محدودة.
كما يمكن اللجوء إلى حقن الكورتيزون في حالات مختارة لتخفيف الالتهاب حول المفاصل أو الأعصاب، إلا أن هذا النوع من العلاج يتم بعد تقييم طبي وليس خيارا مناسبا لجميع المرضى.
أما الجراحة فتظل محدودة الاستخدام، وقد تصبح ضرورية عندما يكون هناك ضغط شديد على الأعصاب أو النخاع الشوكي، أو ضعف متزايد في الأطراف، أو عندما تفشل العلاجات المحافظة في السيطرة على المشكلة.
ويمكن تقليل احتمال عودة آلام الرقبة والكتف من خلال تحسين وضعية الجلوس، وأخذ فترات راحة منتظمة أثناء العمل أمام الشاشات، وممارسة تمارين التقوية والاستطالة، واستخدام وسادة مناسبة أثناء النوم.
ويجب طلب المشورة الطبية إذا استمر الألم لفترة طويلة أو ازداد سوءا، أو إذا صاحبه ضعف في الذراعين، أو خدر شديد، أو فقدان للتوازن، أو مشكلات في التحكم بالمثانة أو الأمعاء، لأنها قد تكون علامات تحتاج إلى تقييم عاجل.
