يعرف كثيرون أن تقليل تناول الصوديوم يمكن أن يساهم في خفض ضغط الدم، لكن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن التركيز على الملح وحده قد لا يكون كافياً دائماً. فهناك عنصر غذائي آخر قد يلعب دوراً مهماً في دعم توازن الضغط، وهو البوتاسيوم.
فقد أظهر تقرير حديث نُشر في “The American Journal of Clinical Nutrition” أن رفع كمية البوتاسيوم في النظام الغذائي، بالتزامن مع تقليل الصوديوم، قد يكون من أفضل الاستراتيجيات الغذائية للمساعدة في ضبط ضغط الدم.
وتأتي أهمية هذه النتائج في وقت لا يزال فيه متوسط استهلاك الصوديوم اليومي لدى البالغين أعلى بكثير من المستويات الموصى بها، خصوصاً بسبب وجوده في عدد كبير من الأطعمة المصنعة والجاهزة.
لماذا تعد هذه النتائج مهمة؟
تقليل الصوديوم ليس مهمة سهلة، لأن الملح يدخل في أطعمة كثيرة، كما يستخدم على نطاق واسع لتحسين النكهة. لذلك، فإن معرفة أن هناك عاملاً غذائياً آخر يمكن دعمه بالتوازي مع تقليل الصوديوم تمثل خبراً مهماً لمن يعانون من ارتفاع ضغط الدم.
وتوضح ميليسا بريست، المتحدثة باسم أكاديمية التغذية وعلم الحميات: “لسنوات، كان الحديث حول ضغط الدم يركز أساساً على تقليل الصوديوم. هذا التقرير يبرز أن زيادة تناول البوتاسيوم قد تكون جزءاً مهماً بالقدر نفسه من المعادلة”.
وتضيف: “الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم، مثل الخضروات الورقية، والطماطم، والفاصوليا، والعدس، والبطاطس، والأفوكادو، والموز، والشمام، تساعد الجسم على تنظيم توازن الصوديوم ودعم ضغط دم صحي. الخلاصة ليست اختيار استراتيجية واحدة وترك الأخرى، بل الجمع بين تناول مزيد من الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم والحد من الصوديوم الزائد لتحقيق أكبر فائدة”.
ويؤكد الأطباء أن التحكم في ارتفاع ضغط الدم أمر أساسي، لأن إهماله قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على صحة القلب والأوعية الدموية.
وتقول طبيبة القلب جينيفر وونغ: “ارتفاع ضغط الدم هو أحد أهم عوامل الخطر القابلة للتعديل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وفشل القلب، وأمراض الكلى”.
وتضيف: “هذه النتائج مهمة لأنها تسلط الضوء على استراتيجية عملية أخرى ضمن نمط الحياة يمكن أن تساعد على خفض ضغط الدم”.
هل للبوتاسيوم فوائد أخرى؟
لا يحصل كثير من الناس على الكمية الكافية من البوتاسيوم يومياً، رغم أن هذا العنصر لا يرتبط فقط بضغط الدم. فهو ضروري لوظائف العضلات، ونقل الإشارات العصبية، وتوازن السوائل، وصحة القلب.
وتقول بريست: “يلعب البوتاسيوم دوراً مهماً في وظائف العضلات، والإشارات العصبية، وتوازن السوائل، وصحة القلب، إضافة إلى دوره في المساعدة على تنظيم ضغط الدم”.
والخبر الجيد أن الأطعمة التي توفر البوتاسيوم تحتوي غالباً على عناصر غذائية مفيدة أخرى، مثل الألياف، ومضادات الأكسدة، والفيتامينات والمعادن.
وتوضح بريست: “الأطعمة نفسها التي تمد الجسم بالبوتاسيوم توفر أيضاً الألياف ومضادات الأكسدة وعناصر غذائية أخرى تدعم الصحة العامة”.
وتنصح بملء نصف الطبق بالفواكه والخضروات، وإضافة الفاصوليا أو العدس إلى الوجبات، واختيار الأطعمة قليلة التصنيع قدر الإمكان، لأن هذه العادات تساعد على رفع كمية البوتاسيوم بشكل طبيعي.
ولا ينعكس ذلك فقط على ضغط الدم، بل قد يدعم صحة القلب، ويحسن صحة الجهاز الهضمي، ويساعد على تقليل خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
لكن زيادة البوتاسيوم لا تناسب الجميع. فالأشخاص المصابون بأمراض الكلى المزمنة، أو الذين يتناولون أدوية معينة مثل مثبطات ACE، أو ARBs، أو مدرات البول الحافظة للبوتاسيوم، أو أدوية أخرى ترفع مستويات البوتاسيوم، يجب أن يستشيروا الطبيب قبل إجراء تغييرات كبيرة في نظامهم الغذائي.
ماذا يعني ذلك لمن يعاني من ارتفاع الضغط؟
إذا كان ضغط الدم المرتفع يشكل مصدر قلق، ولم يكن تقليل الملح وحده كافياً، فقد يكون من المفيد الانتباه إلى كمية البوتاسيوم في النظام الغذائي.
وتوضح الدكتورة وونغ: “الخلاصة الأساسية هي أن تقليل الصوديوم لا يزال مفيداً، لكن استبدال جزء من الصوديوم الغذائي بالبوتاسيوم يبدو أنه يوفر انخفاضاً إضافياً في ضغط الدم”.
وتضيف: “بدلاً من التركيز على الصوديوم وحده، يجب أن ننظر إلى التوازن بين الصوديوم والبوتاسيوم في النظام الغذائي”.
وتنصح وونغ أغلب الأشخاص الذين يحاولون التحكم في ضغط الدم بتقليل الصوديوم تدريجياً، مع زيادة الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم.
كما تشير إلى أن بعض الأشخاص قد يستفيدون من استخدام بدائل الملح المدعمة بالبوتاسيوم، بدلاً من ملح الطعام العادي، لكن ذلك يجب أن يتم تحت إشراف طبي، خاصة في حال وجود مشاكل في الكلى أو تناول أدوية تؤثر في مستويات البوتاسيوم.
ولا يقتصر التحكم في ضغط الدم على النظام الغذائي فقط. فاتباع نمط غذائي صحي للقلب، مثل حمية DASH أو حمية البحر الأبيض المتوسط، يمكن أن يكون مفيداً، إلى جانب الحفاظ على وزن صحي، وممارسة التمارين الهوائية بانتظام، وإضافة تمارين المقاومة أو التمارين الثابتة عند الحاجة.
كما تنصح وونغ بالحد من استهلاك الكحول، وتجنب التدخين، وإدارة التوتر، والحصول على نوم كافٍ، والالتزام بالأدوية الموصوفة عندما لا تكون تغييرات نمط الحياة وحدها كافية.
وتؤكد بريست أن جودة النظام الغذائي ككل أهم من التركيز على عنصر واحد فقط. فكثير من الناس لا يحصلون على ما يكفي من البوتاسيوم لأنهم لا يتناولون كميات كافية من الفواكه، والخضروات، والبقوليات، والأطعمة النباتية قليلة التصنيع.
وتقول: “تحسين الجودة العامة للنظام الغذائي، وليس فقط تقليل عنصر غذائي واحد، يمكن أن يحقق فوائد مهمة لضغط الدم وصحة القلب على المدى الطويل”.
الخلاصة
رغم أن هذا البحث ما يزال تقريراً أولياً ويحتاج إلى مزيد من الدراسات لتأكيد العلاقة السببية بين تناول البوتاسيوم وتحسن صحة القلب، فإنه يفتح باباً مهماً لإعادة التفكير في طريقة التعامل الغذائي مع ارتفاع ضغط الدم.
فبدلاً من الاكتفاء برسالة “تناول كمية أقل من الملح”، قد يكون النهج الأكثر فاعلية هو تناول مزيد من الأطعمة الكاملة الغنية بالبوتاسيوم، مع الاستمرار في الانتباه إلى كمية الصوديوم.
وتؤكد الدكتورة وونغ أن تقليل الصوديوم سيبقى ركناً أساسياً في علاج ارتفاع ضغط الدم، لكن زيادة البوتاسيوم الغذائي قد تقدم فوائد إضافية لضبط الضغط وتحسين صحة القلب والأوعية الدموية.
