إذا نصحك الطبيب بتناول مكملات الحديد بعد ظهور نقص في التحاليل، لكنك ما زلت تشعر بالتعب والخمول خلال اليوم، فقد لا تكون المشكلة في الجرعة وحدها، بل في طريقة تناولها وما يرافقها من أطعمة ومشروبات.
فشرب عدة أكواب من القهوة لمحاولة مقاومة النعاس، مثلاً، قد يكون أحد العوامل التي تقلل استفادة الجسم من الحديد.
ويعد الحديد عنصراً ضرورياً لإنتاج الطاقة داخل الخلايا ونقل الأكسجين في الجسم، كما يساهم في دعم صحة القلب والمناعة والقدرات الذهنية، ويساعد على الحفاظ على مستويات طاقة أفضل خلال اليوم.
ورغم أن كثيرين يربطون نقص الحديد بالنساء خلال فترة الحيض أو الحمل، فإنه شائع أيضاً لدى كبار السن، إذ تشير المعطيات إلى أن ما يصل إلى شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص بعمر 65 عاماً فما فوق قد يعاني من فقر الدم.
ومع التقدم في العمر، قد تلعب عدة عوامل دوراً في ضعف امتصاص الحديد، منها الالتهاب المرتبط بالسن، الذي يحفز إفراز هرمون يسمى الهيبسيدين، وهو قادر على عرقلة امتصاص الحديد.
كما أن انخفاض حمض المعدة طبيعياً مع العمر، أو بسبب تناول مضادات الحموضة وأدوية تقليل الحمض مثل مثبطات مضخة البروتون، قد يزيد المشكلة. وتقول اختصاصية التغذية كيري غانس: “كلما قل الحمض لدينا، أصبح امتصاص الحديد أصعب”.
ورغم أن مكملات الحديد قد تساعد على تصحيح النقص، فإن فائدتها تعتمد على قدرة الجسم على امتصاصها فعلاً. لذلك يوصي الخبراء باتباع خطوات بسيطة مدعومة بالأبحاث لزيادة الاستفادة من الجرعة.
وقبل البدء، يجب التأكيد أن هذه النصائح موجهة لمن شُخّص لديهم نقص في الحديد وطلب منهم الطبيب تناول مكملات. أما من لديهم مستويات طبيعية، فلا يحتاجون إلى تنظيم وجباتهم بدقة حول القهوة أو الكالسيوم أو غيرهما.
1. انتبه لما تتناوله مع الحديد ومتى تتناوله
تقول طبيبة أمراض الدم دانا أنجليني إنها ترى كثيراً من المرضى يتناولون مكمل الحديد مع أطعمة أو مشروبات تقلل امتصاصه دون أن يدركوا ذلك.
ومن أبرز هذه المشروبات القهوة والشاي. فهما يحتويان على مركبات البوليفينول، وهي مفيدة للجسم بفضل خصائصها المضادة للالتهاب والأكسدة، لكنها لا تناسب توقيت تناول الحديد.
فالعفص الموجود في الشاي، وأحماض الكلوروجينيك الموجودة في القهوة، يمكن أن ترتبط بالحديد غير الهيمي داخل الجهاز الهضمي، ما يشكل مركبات يصعب امتصاصها.
وتؤثر أيضاً الأطعمة الغنية بالفتيتات، مثل الحبوب الكاملة، والبقوليات، والمكسرات، والبذور، وفول الصويا. فهذه المركبات ترتبط بالحديد وتمنع الجسم من الاستفادة الكاملة منه.
أما البيض، فقد أظهرت دراسات أن بيضة واحدة يمكن أن تقلل امتصاص الحديد من الوجبة بنحو 27 في المائة، لأن البروتينات الموجودة فيه ترتبط بالحديد وتخفض توافره الحيوي.
ولا يعني ذلك الامتناع عن هذه الأطعمة والمشروبات. وتقول غانس: “لا تتناول مكملات الحديد معها فقط”. ويفضل ترك فارق زمني يقارب ساعتين قبل أو بعد تناول الحديد.
فالحديد يُمتص أساساً في الجزء العلوي من الأمعاء الدقيقة، ويحتاج المكمل عادة من ساعة إلى ساعتين ليذوب ويتجاوز هذه المنطقة، كما تحتاج معظم الوجبات وقتاً مشابهاً للخروج من المعدة والجزء العلوي من الأمعاء.
2. تناوله مع فيتامين C
إذا كانت بعض المركبات تعيق امتصاص الحديد، فإن حمض الأسكوربيك، أي فيتامين C، يفعل العكس تماماً، إذ يجعل الحديد أكثر قابلية للامتصاص.
فالحديد غير الهيمي، الموجود في المكملات والأطعمة النباتية، يحتاج إلى بيئة حمضية ليتحول إلى شكل يمكن للجسم استخدامه. وهنا يساعد فيتامين C على رفع الحموضة في المعدة وتسهيل امتصاص الحديد.
لذلك يمكن تناول مكمل الحديد مع مصدر غذائي غني بفيتامين C، وقد يكون ذلك ألطف على المعدة من تناول قرص إضافي. ويكفي استهداف نحو 50 مليغراماً من فيتامين C لتحقيق هذا التأثير.
ومن الخيارات المناسبة كوب من عصير الجوافة الطبيعي الذي يوفر نحو 182 مليغراماً من فيتامين C، أو كوب من عصير البرتقال بنسبة 100 في المائة وفيه نحو 124 مليغراماً.
كما توفر عشر حبات متوسطة من الفراولة نحو 71 مليغراماً، وحبة كيوي واحدة نحو 64 مليغراماً، ونصف كوب من الفلفل الأحمر المقطع نحو 59 مليغراماً.
3. خذه صباحاً على معدة فارغة
بما أن كثيراً من الأطعمة والعناصر الغذائية يمكن أن تقلل امتصاص الحديد، يوصي بعض الأطباء بتناوله فور الاستيقاظ، عندما تكون المعدة فارغة.
وقد يكون هذا التوقيت عملياً، لأنه يمنح الجسم فرصة قريبة من ساعتين قبل وجبة الإفطار أو المشروبات التي قد تتداخل مع الامتصاص.
لكن بعض الأشخاص يشعرون بالغثيان عند تناول الحديد وحده. في هذه الحالة، يمكن الاستفادة من نصيحة فيتامين C عبر تناوله مع مصدر غذائي خفيف وغني بهذا الفيتامين، بدلاً من إجبار المعدة على تحمل المكمل منفرداً.
4. لا تتناوله كل يوم بالضرورة
قد يبدو تناول الحديد يومياً هو الخيار الأكثر وضوحاً، لكن بعض الدراسات الصغيرة تشير إلى أن تناوله يوماً بعد يوم قد يزيد كمية الحديد الممتصة من كل جرعة، وقد يقلل الآثار الجانبية الهضمية لدى النساء اللواتي يعانين من انخفاض مخزون الحديد دون الوصول إلى فقر الدم.
ويرتبط ذلك على الأرجح بهرمون الهيبسيدين، إذ إن تناول الحديد يومياً قد يرفع مستوياته، ما يعرقل خروج الحديد إلى مجرى الدم.
ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث، يميل كثير من الخبراء إلى التوصية بتناول مكملات الحديد يوماً بعد يوم.
لكن غانس تنبه إلى نقطة عملية مهمة، إذ تقول: “إذا كان تناول المكمل يومياً يساعدك على الالتزام به، بينما يجعلك تخطي يوم تنسى متى تناولته آخر مرة، فمن الأفضل تناوله يومياً”.
5. اختر النوع المناسب من الحديد
ليست كل مكملات الحديد متشابهة. فهناك أنواع مختلفة تختلف في سهولة الامتصاص واحتمال التسبب بآثار جانبية، كما أن استجابة الجسم تختلف من شخص إلى آخر.
فالحديد الثلاثي أقل توافراً حيوياً من الحديد الثنائي بثلاث إلى أربع مرات تقريباً.
أما الحديد الثنائي، مثل فومارات الحديد، وغلوكونات الحديد، وكبريتات الحديد، فهو غالباً أقل تكلفة، لكنه قد يسبب اضطرابات في المعدة، أو غثياناً، أو إمساكاً، أو إسهالاً.
ويُسوّق حديد بيسغليسينات الحديد على أنه أكثر قابلية للامتصاص، وتشير بعض الأبحاث إلى أن امتصاصه أقل تأثراً بالطعام، لكن الدراسات لم تثبت بشكل قاطع أنه يتفوق على باقي الأنواع في الفائدة العامة.
أما ببتيد الحديد الهيمي، فيُقدَّم أيضاً على أنه عالي الامتصاص وألطف على المعدة، لكن ما تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات للتأكد مما إذا كان أفضل فعلاً في رفع مستويات الحديد لدى فئات معينة.
وتوجد أيضاً مكملات الحديد بطيئة التحرر، التي يُعتقد أنها تقلل الأعراض الهضمية، لكنها قد تطلق الحديد في مناطق أدنى من الأمعاء، حيث يكون الامتصاص أقل.
وتقول أنجليني: “هناك الكثير من المكملات في السوق، وبعض العلامات التجارية تروج لنفسها على أنها الأفضل امتصاصاً أو الأفضل تحملاً، لكن هذه العلامات لم تُقارن وجهاً لوجه”.
لذلك من الأفضل مناقشة الخيارات مع الطبيب، ثم إعادة فحص مستويات الحديد بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر تقريباً، لأن مخزون الحديد يحتاج عادة إلى هذه المدة كي يتحسن.
وإذا كانت الأرقام تتحسن والجسم يتحمل المكمل جيداً، فيمكن الاستمرار على الخطة نفسها. أما إذا لم يحدث تحسن، فيجب سؤال الطبيب عن إمكانية تغيير النوع أو الجرعة أو طريقة التناول.
وفي النهاية، تبقى مكملات الحديد مخصصة لتعويض نقص مؤكد، وليست خياراً يجب تناوله دون حاجة. كما أن المكملات الغذائية لا تُعد أدوية، ولا تهدف إلى علاج الأمراض أو تشخيصها أو الوقاية منها. ويجب الحذر عند استخدامها أثناء الحمل أو الرضاعة، أو إعطائها للأطفال، إلا بتوصية طبية واضحة.
