في بريطانيا، وتحديدًا في ويلز، توجد زاوية غامضة توصف بأنها “جوهرة خفية” لا يعرفها كثير من السياح، حيث تختلط الأساطير القديمة بسحر الطبيعة في مشهد يبدو كأنه خارج من كتاب قصص خيالية. هناك، في عمق وادي ريدول بمقاطعة سيريديجون، تنتشر الضبابات بين الأشجار العتيقة، وتلتف الأغصان كأنها كروم متشابكة في عالم آخر، وفق ما نقلته صحيفة “إكسبريس” البريطانية.
هذا المكان ليس مجرد غابة عادية؛ بل إنه موطن لما يُعرف بـ”جسر الشيطان”، أحد أشهر المعالم وأكثرها إثارة للغموض في ويلز، والذي يصفه البعض بأنه “جوهرة بريطانيا الخفية” ومعلَم لا يشبه أي مكان آخر في المملكة المتحدة.
وادي ريدول.. حيث يتوقف الزمن
يحظى وادي ريدول بمكانة خاصة على قوائم أحلام عشاق السفر، ولا سيما بفضل سكة حديد وادي ريدول، التي تُدرج ضمن أبرز الوجهات السياحية في العالم لمحبي القطارات الكلاسيكية والمناظر الطبيعية الساحرة.
خبراء السفر في موقع “سكي فيرتيغو” وصفوا المنطقة بأنها من أكثر المشاهد الطبيعية سحرًا في بريطانيا، حيث تتلألأ الشلالات بين الصخور، وتهمس الأشجار مع نسيم الوادي، بينما تنساب القطارات البخارية وسط الضباب كما لو كانت تتحرك في عالم من الأساطير.
الغابة المحيطة بجسر الشيطان تضيف طبقة أخرى من الغموض؛ أشجار بلوط عتيقة متعرجة، وجداول رقيقة تنحدر على منحدرات حادة، وأصوات الطبيعة التي تتردد بين الجبال، تجعل الزائر يشعر وكأنه دخل إلى عالم موازٍ لا يحكمه زمن المدن.
قطار البخار.. رحلة من عصر آخر
واحدة من أبرز ملامح هذا المكان هي سكة حديد وادي ريدول، التي ما زالت تعمل منذ العصر الإدواردي. القطار البخاري العتيق يتحرك ببطء عبر الوادي، مارًا بمحطات صغيرة مثل أبيرفرود، وشلالات ريدول، وريفيرون، قبل أن يبلغ محطته النهائية عند جسر الشيطان.
تصف “إكسبريس” هذه الرحلة بقولها إن القطار يبدو وكأنه منقول حرفيًا من زمن آخر؛ يزحف ببطء بين الأشجار، يترك وراءه سحبًا بيضاء من البخار تتسلل بين الأغصان، ويقول السكان المحليون إن صفارته تسمع قبل ظهوره بزمن، كصوت خافت يتردد صداه بين التلال، فيزيد الأجواء سحرًا وغموضًا.
لماذا سُمّي بـ”جسر الشيطان”؟
عند الوصول إلى جسر الشيطان، تتعمق الحكاية أكثر. فالمكان لا يضم جسرًا واحدًا فقط، بل ثلاثة جسور متراكبة فوق بعضها البعض، شُيّدت في فترات تاريخية مختلفة، ليبدو المشهد كطبق معماري غريب ومتدرج فوق الوادي السحيق.
الأسطورة المحلية تقول إن الوادي كان عميقًا وخطيرًا إلى درجة جعلت السكان يعتقدون أن بناء جسر هناك أمر مستحيل. عندها، ظهر الشيطان – كما تروي القصة الشعبية – وعرض عليهم أن يبني لهم جسرًا مقابل ثمن: روح أول كائن يعبر الجسر ستكون من نصيبه.
وافق الناس على ذلك مُضطرين، لكنهم لم يستسلموا تمامًا. فبعد أن شُيّد الجسر، لم يسمحوا لأول إنسان أن يخطو فوقه، بل أطلقوا كلبًا ليعبر أولًا، وبذلك أوفوا بالعهد من الناحية الشكلية، لكنهم حرموا الشيطان من روح بشرية وخدعوه، وفق ما تقول الأسطورة.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم الجسر بالشيطان. ويزعم بعض السكان أن الرياح عندما تعصف عبر الوادي عند غروب الشمس، يُمكن أن يُسمع صوت يشبه الهدير الخافت أو العواء، وكأن الوادي ما زال يحتفظ بصدى الغضب القديم.
وجهة لعشاق الأساطير والطبيعة
هذا المزيج بين المنظر الطبيعي الخلاب والأساطير الشعبية القديمة جعل جسر الشيطان ووادي ريدول وجهة مفضلة لعشاق التصوير، والرحلات الهادئة، والقصص الغامضة، خاصة لمن يبحثون عن أماكن “مختلفة” بعيدًا عن المسارات السياحية التقليدية في بريطانيا.
أماكن أسطورية أخرى في الجزر البريطانية
لا تقتصر الحكايات الغريبة والأسطورية على هذا الوادي فقط. فقد أشارت تقارير أخرى إلى وجود أحجار قائمة قديمة في إنجلترا يعود تاريخها إلى ما قبل ستونهنج، وتقول الأساطير إنها كانت في الأصل قصرًا لملك مع حاشيته، قبل أن تُحوّلهم ساحرة إلى حجارة.
كما جرى الحديث عن جزيرة “لؤلؤية” مخفية في أيرلندا الشمالية، شبه خالية من السكان، تُرى فيها كثيرًا الفقمة وهي تستلقي على الصخور تحت الشمس، بينما تتجول الأرانب الأيرلندية والمنك بين الأعشاب، في مشهد طبيعي بكر لا يزال بعيدًا عن زحام السياحة الكثيفة.
في النهاية، تبقى غابة “جسر الشيطان” ووادي ريدول مثالًا حيًا على كيف يمكن للطبيعة والأسطورة أن يمتزجا ليخلقا مكانًا يبدو خارج الزمن؛ حيث يمر القطار البخاري عبر الضباب، ويتردد صدى حكاية قديمة عن شيطان خُدع بكلب، فيما يواصل السياح وسكان المنطقة رواية القصة جيلاً بعد جيل.
