تُعد السمنة من المشكلات الصحية المزمنة والمعقدة، ولا يقتصر تأثيرها على شكل الجسم أو الرقم الظاهر على الميزان، إذ ترتبط بتغيرات أيضية والتهابية يمكن أن تؤثر في عدد كبير من أعضاء الجسم وترفع خطر الإصابة بأمراض مزمنة متعددة.
وتحدث السمنة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية والهرمونية وبعض الحالات الطبية والأدوية، لذلك لا يمكن اختزال أسبابها دائما في الإفراط في تناول الطعام أو قلة الحركة وحدهما.
وقد يرتبط تراكم الدهون الزائدة، وخصوصا الدهون الحشوية الموجودة حول أعضاء البطن، بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني ومشكلات المفاصل والتنفس والكبد، إضافة إلى بعض أنواع السرطان.
أبرز المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة
لا يعني وجود السمنة أن الشخص سيصاب حتما بهذه الأمراض، لكنها تعد أحد عوامل الخطر المهمة التي يمكن أن تزيد احتمالات حدوث عدد من المشكلات الصحية.
1- أمراض القلب والأوعية الدموية
يمكن للسمنة أن تزيد العبء الواقع على القلب، كما ترتبط لدى كثير من الأشخاص بارتفاع ضغط الدم واضطرابات مستويات الدهون والكوليسترول ومقاومة الإنسولين.
ومع مرور الوقت، قد تساهم هذه العوامل في زيادة خطر تصلب الشرايين وأمراض القلب التاجية والنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
ويختلف مستوى الخطر من شخص إلى آخر بحسب العمر والتاريخ العائلي والتدخين ومستوى النشاط البدني ووجود أمراض أخرى.
2- السكري من النوع الثاني
ترتبط السمنة، ولا سيما تراكم الدهون في منطقة البطن، ارتباطا قويا بزيادة احتمال الإصابة بمقاومة الإنسولين.
وفي هذه الحالة تصبح خلايا الجسم أقل استجابة للإنسولين، ما قد يؤدي تدريجيا إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم ثم الإصابة بالسكري من النوع الثاني لدى بعض الأشخاص.
وإذا لم تتم السيطرة على المرض بشكل جيد، فقد يؤدي على المدى الطويل إلى مضاعفات تؤثر في الكلى والأعصاب والعينين والأوعية الدموية.
3- اضطرابات التنفس والنوم
يمكن أن تؤثر زيادة الدهون حول الرقبة والصدر والبطن في عملية التنفس، كما ترتبط السمنة بارتفاع خطر الإصابة بانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم.
ويتسبب هذا الاضطراب في توقف التنفس بصورة متكررة خلال النوم، ما قد يؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر والشعور بالإرهاق نهارا وصعوبة التركيز.
كما يمكن أن تكون السمنة مرتبطة بزيادة شدة بعض أمراض الجهاز التنفسي، بما في ذلك الربو لدى بعض الأشخاص.
4- مشكلات العظام والمفاصل
كلما ازداد وزن الجسم، ارتفع الحمل الميكانيكي الواقع على المفاصل التي تتحمل الوزن، وخصوصا الركبتين والوركين وأسفل الظهر.
وقد يساهم هذا الضغط المستمر في تفاقم الفصال العظمي لدى الأشخاص المعرضين له، إضافة إلى الألم وصعوبة الحركة وانخفاض القدرة على ممارسة النشاط البدني.
ولا يتعلق الأمر بالضغط الميكانيكي وحده، إذ يُعتقد أن الالتهاب المرتبط بالأنسجة الدهنية قد يؤدي أيضا دورا في بعض مشكلات المفاصل.
5- الكبد والمرارة
ترتبط السمنة بزيادة احتمال الإصابة بمرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الأيض، حيث تتراكم الدهون داخل خلايا الكبد.
وقد يبقى المرض بسيطا لدى كثير من الأشخاص، لكنه يمكن أن يتطور في بعض الحالات إلى التهاب وتليف ومضاعفات كبدية أكثر خطورة.
كما ترتبط زيادة الوزن بارتفاع احتمالات الإصابة بحصوات المرارة، نتيجة عوامل من بينها التغيرات في استقلاب الكوليسترول والعصارة الصفراوية.
6- بعض أنواع السرطان
تشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين السمنة وزيادة خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان، وليس جميعها.
ومن الأنواع التي ارتبطت بزيادة الوزن سرطان بطانة الرحم، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان الكلى، إضافة إلى سرطان الثدي بعد انقطاع الطمث.
وقد تكون وراء هذا الارتباط عوامل متعددة، من بينها الالتهاب المزمن والتغيرات الهرمونية واضطرابات الإنسولين والتمثيل الغذائي.
ومع ذلك، فإن السمنة عامل خطر وليست سببا حتميا للإصابة بالسرطان.
7- الصحة النفسية وجودة الحياة
يمكن أن تتداخل السمنة مع الصحة النفسية أيضا، خصوصا عندما يواجه الشخص وصمة اجتماعية أو تنمرا أو تمييزا بسبب الوزن.
وقد ترتبط لدى بعض الأشخاص بالاكتئاب أو القلق أو انخفاض الرضا عن صورة الجسد، كما يمكن أن تتزامن مع اضطرابات في سلوك تناول الطعام.
والعلاقة بين الوزن والصحة النفسية معقدة وتسير في الاتجاهين، إذ قد تؤثر الحالة النفسية في النوم والشهية والنشاط البدني، بينما قد تؤثر مشكلات الوزن بدورها في جودة الحياة.
هل تساعد خسارة كمية صغيرة من الوزن؟
بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، قد تساعد خسارة نسبة معتدلة من وزن الجسم على تحسين بعض المؤشرات الصحية مثل ضغط الدم ومستويات السكر والدهون.
ولا يشترط دائما الوصول إلى وزن “مثالي” لتحقيق فوائد صحية، إذ يمكن للتغييرات التدريجية والمستدامة أن تكون ذات قيمة.
لكن الهدف المناسب لخسارة الوزن ومعدلها يختلفان باختلاف العمر والحالة الصحية والأدوية والتاريخ الطبي، لذلك من الأفضل تحديد الخطة بصورة فردية.
نظام غذائي يمكن الاستمرار عليه
تعتمد إدارة الوزن في جانب مهم منها على إيجاد نمط غذائي متوازن يمكن الالتزام به على المدى الطويل، بدلا من الاعتماد على حميات قاسية أو قيود يصعب استمرارها.
ويمكن التركيز على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة، مع الحد من الأطعمة شديدة التصنيع والمشروبات السكرية والكميات الكبيرة من السكريات المضافة.
أما مقدار خفض السعرات، فلا توجد قيمة موحدة تناسب الجميع، ومن الأفضل تحديده وفق احتياجات الشخص وحالته الصحية، خصوصا عند وجود أمراض مزمنة أو تناول أدوية معينة.
زيادة الحركة والنشاط البدني
يساعد النشاط البدني المنتظم على تحسين صحة القلب واللياقة وحساسية الإنسولين والحفاظ على الكتلة العضلية، حتى عندما تكون خسارة الوزن محدودة.
وتوصي الإرشادات الصحية العامة للبالغين عادة بالسعي إلى ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيا من النشاط الهوائي متوسط الشدة، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة، إلى جانب تمارين تقوية العضلات.
لكن الأشخاص غير المعتادين على الرياضة أو الذين يعانون من مشكلات صحية يمكنهم البدء بصورة تدريجية ورفع مستوى النشاط بمرور الوقت.
النوم والتوتر جزء من الخطة
ترتبط قلة النوم باضطرابات في تنظيم الشهية وزيادة الميل إلى تناول الأطعمة مرتفعة السعرات لدى بعض الأشخاص، كما يمكن أن تقلل القدرة على ممارسة النشاط البدني.
وقد يؤثر التوتر المزمن بدوره في الشهية والسلوك الغذائي وجودة النوم، ما يجعل التحكم في الوزن أكثر صعوبة.
ولهذا، فإن تنظيم النوم وتقليل فترات الجلوس الطويلة وإيجاد طرق مناسبة لإدارة التوتر تعد عناصر مهمة إلى جانب الغذاء والحركة.
متى تكون المساعدة الطبية ضرورية؟
إدارة السمنة لا تعتمد دائما على تغيير نمط الحياة وحده. ففي بعض الحالات قد يوصي الطبيب بعلاج دوائي، أو تقييم أسباب طبية محتملة لزيادة الوزن، أو مناقشة جراحة السمنة عندما تكون مناسبة وفقا لمؤشرات صحية محددة.
كما يُنصح بمراجعة مختص إذا كانت زيادة الوزن سريعة وغير مفسرة، أو ترافقها أعراض أخرى، أو إذا كانت محاولات خفض الوزن المتكررة لا تحقق نتائج رغم الالتزام.
وفي النهاية، ترتبط السمنة بارتفاع مخاطر العديد من الأمراض، لكنها حالة قابلة للإدارة بطرق متعددة. ويظل النهج الأفضل هو خطة صحية تدريجية ومستدامة تراعي حالة كل شخص، بدلا من التركيز على الوزن وحده أو اللجوء إلى حلول سريعة.
