يظن كثيرون أن حساب السعرات الحرارية هو الطريق الأكثر دقة للسيطرة على الوزن، لكن هذا الأسلوب لا يكون دائماً آمناً أو فعالاً كما يبدو. فعندما يتحول الأمر إلى رقابة يومية صارمة على كل لقمة، قد يبدأ الجسم في التكيف مع نقص الطاقة، بينما يزداد الضغط النفسي المرتبط بالطعام.
فالتحكم الحاد في السعرات يمكن أن يبطئ عملية الأيض، لأن الجسم يتعلم استهلاك طاقة أقل. وفي الوقت نفسه، قد يرتفع مستوى هرمون الجوع “غريلين”، بينما ينخفض هرمون الشبع “ليبتين”، ما يجعل الشخص أكثر ميلاً للأكل بعد انتهاء الحمية مقارنة بما كان عليه قبلها.
وعلى المستوى النفسي، قد يؤدي تسجيل كل وجبة واحتساب كل رقم إلى قلق غذائي، وشعور بالذنب بعد تناول طعام “خارج الخطة”، بل وقد يزيد خطر اضطرابات مثل الهوس بالطعام الصحي أو نوبات الأكل القهري. وتشير دراسات طويلة الأمد إلى أن نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يتبعون حميات تقييدية يستعيدون الوزن خلال سنوات قليلة.
ما المقصود بحساب السعرات ولماذا ينتشر بهذا الشكل؟
تقوم الفكرة على قاعدة بسيطة: تناول سعرات أقل مما يحرقه الجسم، فتبدأ خسارة الوزن. ولهذا السبب، انتشرت تطبيقات عدّ السعرات، وميزان الطعام، وجداول الوجبات، واليوميات الغذائية التي تسجل كل ما يدخل إلى الجسم.
ويبدو هذا الأسلوب جذاباً لأنه يمنح الشخص إحساساً بالتحكم والوضوح. فالأرقام توحي بأن كل شيء قابل للقياس، وأن النتيجة مضمونة إذا التزم الإنسان بالخطة.
لكن التجربة الطويلة مع الحميات تكشف أن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن حساب السعرات؟ بل: هل يناسب هذا الأسلوب كل شخص؟ والإجابة غالباً لا، خصوصاً عندما يكون الشخص معرضاً للقلق، أو لديه علاقة متوترة مع الطعام، أو يبحث عن صحة طويلة الأمد لا عن نتيجة سريعة على الميزان.
لماذا لا يعمل حساب السعرات كما يعد أصحابه؟
الجسم ليس آلة حاسبة. فعندما يقلل الإنسان السعرات لفترة طويلة، يبدأ الجسم في الدفاع عن نفسه عبر خفض معدل الأيض الأساسي، أي الطاقة التي يحتاجها للحفاظ على وظائفه الحيوية في حالة الراحة.
وتعرف هذه الظاهرة باسم التوليد الحراري التكيفي، حيث يصبح الجسم أكثر اقتصاداً في استهلاك الطاقة. وهذا يعني أن الكمية نفسها من الطعام قد تؤثر بشكل مختلف بعد فترة من التقييد، لأن الجسم لم يعد يحرق بالطريقة نفسها.
وأظهرت دراسة على مشاركين في برنامج The Biggest Loser، نُشرت في مجلة Obesity عام 2016، أن عملية الأيض لدى الفائزين بقيت بعد ست سنوات أقل بنحو 500 سعرة حرارية يومياً من المستوى المتوقع. أي أن الجسم لم ينس فترة الحرمان، بل أعاد ضبط نفسه على وضع أكثر تحفظاً في استهلاك الطاقة.
كما أن امتصاص السعرات يختلف من شخص إلى آخر. فالميكروبيوم المعوي، وطريقة طهي الطعام، والعوامل الوراثية، وحالة الجهاز الهضمي، كلها عناصر تجعل المنتج الغذائي نفسه يمنح شخصين كمية مختلفة من الطاقة القابلة للاستفادة.
أرقام تبدو دقيقة لكنها مليئة بالأخطاء
حتى لو بدا حساب السعرات علمياً ومنظماً، فإن البيانات نفسها ليست دقيقة بالكامل. فقواعد بيانات الأغذية قد تحتوي على أخطاء تتراوح بين 10 و25 في المائة، كما أن القيم الموجودة على عبوات المنتجات قد تختلف عن الواقع بنسبة ملحوظة.
وفي بعض الأنظمة، يسمح للمصنعين بهامش خطأ قد يصل إلى 20 في المائة في السعرات المكتوبة على الغلاف. أما وجبة في مطعم مكتوب عليها 600 سعرة، فقد تحتوي عملياً على كمية أقل أو أكثر بكثير، حسب طريقة التحضير وحجم الحصة والدهون المضافة.
ثم يأتي العامل البشري. فكثير من الناس يقدرون كمية الطعام التي يتناولونها بأقل من الواقع بنسبة قد تصل إلى 20 أو 40 في المائة. لذلك، قد يكون حساب السعرات في كثير من الأحيان وهماً بالدقة، لا قياساً حقيقياً لما يحدث داخل الجسم.
الضرر النفسي للتحكم الصارم
في البداية، قد يشعر الشخص بأن حساب السعرات يساعده على الانضباط. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الطعام إلى أرقام وحدود صارمة، فيصبح كل شيء إما “مسموحاً” لأنه يدخل ضمن الرقم اليومي، أو “ممنوعاً” لأنه يتجاوزه.
ومع الوقت، قد يكتسب الطعام قيمة أخلاقية: طعام جيد وطعام سيئ، يوم ناجح ويوم فاشل، التزام أو ذنب. وهنا يفقد الأكل طبيعته كحاجة إنسانية ومتعة يومية، ويتحول إلى اختبار مستمر.
تقول إيفلين ترايبول، اختصاصية التغذية المسجلة وإحدى مؤسسي مفهوم الأكل الحدسي: “عندما نربط الطعام بالأرقام، فإننا نربطه أيضاً بقيمة أخلاقية. وهذا طريق مباشر نحو الشعور بالذنب والعار والقلق الغذائي.”
والقلق الغذائي يعني أن التفكير في الطعام يأخذ مساحة أكبر مما ينبغي. فقد يبدأ الشخص في الخوف من الذهاب إلى المطاعم، أو يتجنب المناسبات الاجتماعية التي تتضمن وجبات، أو يشعر بالذنب بعد تناول قطعة خبز أو حلوى لم تكن ضمن الخطة.
العلاقة بين حساب السعرات واضطرابات الأكل
يظهر ضرر حساب السعرات بشكل أوضح عند الأشخاص الذين يميلون إلى القلق أو الكمالية. فالشخص الذي يسعى إلى الالتزام الكامل قد يجد نفسه محاصراً بالأرقام، يخشى الخطأ، ويشعر أن كل وجبة يجب أن تكون مثالية.
وأشارت دراسة منشورة في International Journal of Eating Disorders عام 2017 إلى أن الاستخدام المنتظم لتطبيقات حساب السعرات يرتبط بمستوى أعلى من أعراض اضطرابات السلوك الغذائي، بما في ذلك الهوس بالطعام الصحي.
والهوس بالطعام الصحي، أو الأورثوريكسيا، هو انشغال مفرط بـ“نقاء” الطعام وصحته، إلى درجة يفقد معها الشخص القدرة على الاستمتاع بالأكل. فيصبح كل طبق مهمة يجب تنفيذها بشكل صحيح، وكل انحراف عنها سبباً للتوتر.
وتقول ليندا بيكون، الباحثة ومؤلفة كتاب Health at Every Size: “لا يمكن لأي تطبيق لحساب السعرات أن يأخذ في الاعتبار كيمياء جسمك، أو خلفيتك الهرمونية، أو مستوى التوتر لديك، أو جودة نومك. لكنه يستطيع أن يعلمك عدم الثقة بجسدك.”
كما أن التقييد الشديد قد يؤدي إلى نوبات أكل قهري. فعندما تصبح بعض الأطعمة “ممنوعة”، يزداد التعلق بها والرغبة في تناولها. وبعد أول “انهيار”، قد يأكل الشخص كمية أكبر بكثير مما كان سيأكله لو لم يحرم نفسه أصلاً.
ماذا يحدث للأيض عند نقص السعرات لفترة طويلة؟
عندما يستمر نقص السعرات لفترة طويلة، خاصة إذا كان قاسياً جداً، يبدأ الجسم في تشغيل آليات دفاعية. فالنظام الغذائي شديد الانخفاض في الطاقة قد يؤدي إلى تراجع إنتاج هرمونات الغدة الدرقية، وانخفاض الطاقة المصروفة على الحركة العفوية وتنظيم الحرارة.
وبالنسبة لبعض الأشخاص، قد يصبح الجسم أقل نشاطاً من دون أن يلاحظوا ذلك. تقل الحركة اليومية، ينخفض الحماس للتمرين، ويصبح الشعور بالتعب أكثر حضوراً. والنتيجة أن خسارة الوزن تتباطأ رغم استمرار الالتزام بالأرقام.
وعند انتهاء الحمية، يعود الوزن بسرعة أكبر مما نزل، لأن الجسم أصبح أكثر استعداداً لتخزين الطاقة. ولهذا السبب تظهر في كثير من الدراسات نتيجة متكررة: بعد سنوات من الحميات التقييدية، يعود أغلب الأشخاص إلى وزنهم السابق أو يتجاوزونه.
الخلل الهرموني والجوع المستمر
لا يتأثر الأيض وحده. فالتقييد المزمن في الطعام يربك أيضاً الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع. يرتفع الغريلين، وهو الهرمون الذي يزيد الإحساس بالجوع، بينما ينخفض الليبتين، وهو الهرمون الذي يساعد على الشعور بالشبع.
وهكذا يصبح الشخص أكثر جوعاً، وأقل قدرة على الاكتفاء، وأكثر انشغالاً بالطعام. وهذا لا يعني ضعف إرادة، بل استجابة بيولوجية طبيعية لجسم يشعر بأنه في حالة نقص.
وعند النساء، يمكن أن يؤدي العجز الطويل في السعرات إلى اضطراب الدورة الشهرية وانخفاض مستويات الإستروجين. وهذه ليست مشكلة شكلية، بل إشارة إلى أن الجسم خرج من نطاق الأمان وبدأ يقلل وظائف غير ضرورية للبقاء الفوري.
بدائل أكثر هدوءاً من حساب السعرات
لا يعني التخلي عن العدّ العشوائية في الأكل. هناك طرق أخرى تساعد على تحسين التغذية من دون تحويل الطعام إلى مشروع حسابي يومي.
أحد هذه الأساليب هو الأكل الحدسي، وهو نهج طورته اختصاصيتا التغذية إيفلين ترايبول وإيليز ريش عام 1995. يعتمد هذا الأسلوب على تعلم قراءة إشارات الجوع والشبع، واحترام احتياجات الجسم بدلاً من فرض قواعد خارجية قاسية عليه.
وأظهر تحليل شمل 97 دراسة عام 2020 أن الأكل الحدسي يرتبط بمؤشرات نفسية أفضل، ومستوى أقل من اضطرابات الأكل، ووزن أكثر استقراراً مقارنة بالأنظمة التقييدية.
وفي التطبيق العملي، يعني هذا أن يأكل الشخص عندما يشعر بالجوع، ويتوقف عندما يشعر بالشبع، ويتوقف عن تقسيم الطعام إلى “مسموح” و“ممنوع”.
طريقة الطبق بدلاً من الميزان
هناك أيضاً طريقة الطبق، وهي أسلوب بصري بسيط يساعد على بناء وجبة متوازنة من دون وزن الطعام أو إدخال الأرقام في تطبيق.
في هذه الطريقة، يكون نصف الطبق من الخضروات، وربع الطبق من البروتين، والربع الأخير من الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة أو البطاطا أو البقوليات.
لا تحتاج هذه الطريقة إلى حساب دقيق، لكنها تمنح الوجبة بنية واضحة وتساعد على الشبع وتوازن العناصر الغذائية. وبالنسبة لمعظم الأشخاص الذين لا يعانون من حالات طبية خاصة، قد تكون كافية لتحسين نمط الأكل.
| الطريقة | مستوى الدقة | التأثير النفسي | النتيجة على المدى الطويل |
|---|---|---|---|
| حساب السعرات | يبدو عالياً لكنه غير مضمون | قد يزيد القلق والهوس بالطعام | ضعيف عند كثيرين بسبب عودة الوزن |
| الأكل الحدسي | لا يعتمد على الأرقام | يحسن العلاقة مع الطعام | أكثر استقراراً لدى كثير من الأشخاص |
| طريقة الطبق | متوسطة وبصرية | محايدة وسهلة | عملية وقابلة للاستمرار |
| دفتر الطعام دون أرقام | متوسط | يعتمد على طريقة الاستخدام | مفيد لزيادة الوعي بالعادات |
متى يكون حساب السعرات ضرورياً؟
رغم كل هذه التحذيرات، لا يمكن القول إن حساب السعرات سيئ دائماً. فهناك حالات يكون فيها مفيداً أو ضرورياً، لكن غالباً تحت إشراف متخصص.
قد يحتاج الرياضيون إلى حساب دقيق للطاقة والعناصر الغذائية عند التحضير للمنافسات أو بناء الكتلة العضلية. كما قد يحتاج بعض مرضى السكري من النوع الثاني إلى متابعة الكربوهيدرات والسعرات ضمن خطة طبية.
وقد يستخدم حساب السعرات أيضاً في بعض مراحل التعافي بعد اضطرابات الأكل، ولكن فقط بإشراف طبي ونفسي متخصص، وليس كوسيلة فردية للسيطرة القاسية. كذلك قد يكون مهماً بعد عمليات معينة أو أمراض تتطلب احتياجات غذائية محددة.
أما في الحالات العادية، أي عند الأشخاص الذين يريدون فقط تحسين تغذيتهم والعيش بصحة أفضل، فإن العدّ الصارم اليومي قد يسبب ضرراً أكبر من فائدته.
وتقول كريستي هاريسون، اختصاصية التغذية ومؤلفة كتاب Anti-Diet: “إذا كان حساب السعرات يسبب لك التوتر أو القلق أو الشعور بالذنب، فهذه إشارة إلى أن الأداة لا تناسبك. الجسد لا يحتاج إلى السيطرة، بل يحتاج إلى الاحترام.”
بين السيطرة والحرية
هل ينجح حساب السعرات؟ يعتمد ذلك على معنى النجاح. فإذا كانت الغاية رقماً سريعاً على الميزان بأي ثمن، فقد يحقق نتيجة مؤقتة. أما إذا كان الهدف علاقة صحية مع الطعام، وطاقة أفضل، وغياب القلق الغذائي، فقد يصبح التحكم الصارم عائقاً لا وسيلة.
فالجسم لا يحتاج دائماً إلى مراقبة خارجية قاسية. لديه نظامه الخاص للتواصل: الجوع، الشبع، الطاقة، المزاج، الراحة، والنوم. والمطلوب ليس إسكات هذه الإشارات بالجداول والتطبيقات، بل تعلم الاستماع إليها.
الغذاء الصحي ليس معادلة رياضية فقط. إنه ممارسة يومية تقوم على الوعي والمرونة واحترام الجسم. وعندما يتحول الطعام من أرقام إلى تجربة إنسانية متوازنة، يصبح الطريق إلى الصحة أكثر استدامة وأقل قسوة.
