خلال السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الأطعمة الخالية من الغلوتين والأنظمة الغذائية التي تستبعده شائعا جدا. وتحول هذا المصطلح في عالم التغذية والرفاه إلى كلمة تثير القلق لدى كثير من الناس، تماما كما يحدث مع الوجبات السريعة. لكن ما هو الغلوتين بالضبط؟ وهل يمثل خطرا حقيقيا على الجميع؟ وهل من الضروري حذفه من النظام الغذائي؟ هذه أسئلة تستحق التوضيح.
ما هو الغلوتين؟
الغلوتين هو مجموعة من البروتينات النباتية الموجودة في بعض الحبوب، وعلى رأسها القمح والشعير، إضافة إلى المنتجات المشتقة منهما. ويمكن ملاحظة دوره بسهولة عند تحضير العجين، إذ يمنحه المرونة والتمدد، ولهذا يعرف أيضا باسم “الجلوتين” أو “المادة الغروية” التي تجعل العجين متماسكا.
ويؤدي الغلوتين عدة وظائف مهمة في الصناعات الغذائية والخبز، منها:
- الحفاظ على شكل العجين ومنع تفتته
- المساعدة على تكوين بنية تسمح بانتفاخ العجين عند التخمير
- منح المخبوزات قواما طريا ومتماسكا
- المساهمة في الاحتفاظ بالرطوبة وإطالة مدة صلاحية بعض المنتجات
أين يوجد الغلوتين؟
عندما يسأل البعض: في أي أطعمة يوجد الغلوتين؟ فالإجابة قد تكون أوسع مما يتوقعون، لأنه لا يقتصر فقط على الخبز أو المعجنات. فكثير من الشركات تضيفه أيضا إلى منتجات مصنعة من أجل تحسين القوام أو التماسك.
ومن أبرز الأطعمة التي تحتوي على الغلوتين:
منتجات الحبوب
تشمل القمح بمختلف أنواعه، والشعير، والجاودار، والبرغل، والكسكس، والسميد.
المخبوزات
مثل الخبز الأبيض وخبز الحبوب الكاملة والباغيت والبيتزا واللافاش والكرواسون والخبز المحلى.
المعكرونة
بجميع أنواعها، بما في ذلك الباستا والنودلز والكانيلوني.
الحلويات
مثل الكعك والبسكويت والفطائر والدونات والمافن، فمعظم المخبوزات التقليدية تحتوي على الغلوتين ما لم يكتب عليها بوضوح أنها خالية منه.
البيرة
بسبب تصنيعها من الشعير أو القمح، فهي غالبا تحتوي على الغلوتين.
الأطعمة المصنعة
مثل البقسماط وصلصة الصويا والشوربات الجاهزة والكاتشب وبعض حبوب الفطور.
أما الشوفان، فهو في الأصل لا يحتوي على الغلوتين، لأن هذا البروتين يوجد أساسا في القمح والشعير والجاودار. لكن الشوفان قد يتعرض للتلوث بالغلوتين خلال مراحل المعالجة أو النقل أو التخزين. ولهذا يفضل دائما قراءة المكونات والبحث عن عبارة “gluten free” عند شراء الشوفان أو غيره من المنتجات الحساسة.
هل الغلوتين مضر للجميع؟
رغم الضجة الكبيرة التي أثيرت حول الغلوتين في وسائل الإعلام وعالم الحميات، فإن الأدلة العلمية التي تثبت ضرره على عموم الناس ما تزال محدودة. بل إن بعض الدراسات المنشورة ذهبت في الاتجاه المعاكس.
فبحسب ما أشارت إليه Harvard Medical School، فإن دراسة نشرت سنة 2017 وشملت أكثر من 100 ألف مشارك لم تجد علاقة بين الاستهلاك الطويل الأمد للغلوتين وبين ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.
وفي بعض الأبحاث الأخرى، ظهر أن الأشخاص الذين يستهلكون الغلوتين كانت لديهم نسب أقل من أمراض القلب والسكتات الدماغية والسكري من النوع الثاني والوفيات بشكل عام. كما يمكن أن يؤدي الغلوتين دورا شبيها بالبريبايوتيك من خلال تغذية البكتيريا النافعة في الأمعاء.
متى يكون الغلوتين مضرا؟
بالنسبة إلى أغلب الناس، لا يسبب تناول الأطعمة المحتوية على الغلوتين أي مشكلة واضحة أو انزعاج يذكر. لذلك لا يمكن القول إن الغلوتين ضار للجميع. لكن توجد فئة من الأشخاص يعانون من عدم تحمل حقيقي له، وأبرز هذه الحالات هو مرض السيلياك.
السيلياك هو مرض مناعي ذاتي نادر وله أساس وراثي، وفيه لا يستطيع الجسم تحمل الغلوتين حتى بكميات صغيرة جدا. وغالبا ما يظهر في سن مبكرة لدى الأطفال. وعندما يدخل الغلوتين إلى الجسم في هذه الحالة، يبدأ الجهاز المناعي في إنتاج أجسام مضادة تؤدي إلى التهاب يضر ببطانة الأمعاء الدقيقة ويتلف الزغابات المسؤولة عن الامتصاص.
ورغم أن السيلياك يعد مرضا غير شائع نسبيا، فإن بعض المصابين به قد يعيشون سنوات من دون تشخيص واضح، مع استمرار معاناتهم من أعراض مرتبطة بالغلوتين.
كما قد يكون الغلوتين ضارا أيضا للأشخاص الذين يعانون من حساسية الغلوتين غير المرتبطة بالسيلياك، أو من الرنح المرتبط بالغلوتين، أو من حساسية القمح. ولهذا فإن معرفة ما إذا كان الشخص يستطيع تناول الغلوتين بأمان يجب أن تتم بالتشاور مع الطبيب.
أعراض عدم تحمل الغلوتين
من بين الأعراض التي قد ترتبط بعدم تحمل الغلوتين:
- إسهال مزمن
- ألم في البطن وانتفاخ وغازات وشعور عام بعدم الارتياح
- غثيان وفقدان الشهية
- انخفاض الوزن
- فقر الدم
- التهيج والإرهاق المتكرر
- مشكلات في الفم مثل القروح الصغيرة المؤلمة أو التهاب اللسان
بماذا يمكن استبدال الأطعمة المحتوية على الغلوتين؟
عند الحاجة إلى تقليل الغلوتين أو استبعاده من النظام الغذائي، توجد بدائل كثيرة ومتنوعة يمكن الاعتماد عليها.
من الحبوب والنشويات
الأرز بأنواعه، والحنطة السوداء، والدخن، وعصيدة الذرة أو البولينتا، والقطيفة، والكينوا، والشوفان الخالي من الغلوتين.
من الفواكه والخضروات
جميع الفواكه تقريبا، مثل الحمضيات والموز والتفاح والإجاص والخوخ والتوت والمشمش، إضافة إلى تشكيلة واسعة من الخضروات مثل الخضروات الورقية والبطاطس والذرة واليقطين والفلفل والطماطم والخيار والفطر والبصل والجزر والفجل والفاصولياء الخضراء والخس.
من مصادر البروتين
الفاصولياء والعدس والبازلاء والفول السوداني والمكسرات والبذور، وكذلك اللحوم الطازجة والدواجن والأسماك والمأكولات البحرية، إلى جانب منتجات الصويا التقليدية مثل التوفو والإدامامي.
من منتجات الألبان
الحليب والزبدة والسمن والجبن الصلب واللبن الطبيعي والجبن الطري، إضافة إلى المثلجات التي لا تحتوي على قطع بسكويت أو قمع وافل.
كما يمكن تناول الزيوت والتوابل والمشروبات المختلفة، لكن مع ضرورة الانتباه إلى الملصقات الغذائية، لأن بعض الشركات تضيف الغلوتين لتحسين القوام.
مزايا وعيوب النظام الغذائي الخالي من الغلوتين
بالنسبة إلى المصابين بالسيلياك أو بحساسية مثبتة تجاه الغلوتين، فإن اتباع نظام غذائي خال منه قد يحقق فوائد واضحة، مثل:
- تحسين عملية الهضم وتخفيف الانزعاج
- تقليل الالتهابات، خاصة لدى بعض من يعانون من أمراض مناعية
- المساعدة على رفع مستوى الطاقة والتقليل من التعب لدى من لديهم حساسية تجاه الغلوتين
لكن هذا النظام ليس خاليا من التحديات، إذ قد يؤدي إلى نقص بعض العناصر الغذائية إذا لم يكن متوازنا، كما أن المنتجات الخالية من الغلوتين تكون غالبا أعلى سعرا، ويصعب أحيانا الالتزام بها في الحياة اليومية.
هل يجب على الجميع اتباع حمية خالية من الغلوتين؟
الامتناع عن الغلوتين لا ينبغي أن يكون قرارا عشوائيا أو مجرد تقليد لصيحات التغذية. فبالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يملكون أي سبب طبي واضح، لا توجد ضرورة مؤكدة لاستبعاده من الطعام. ولهذا من الأفضل أن يتم اتخاذ هذا القرار بالتعاون مع الطبيب أو اختصاصي التغذية، حتى لا يتحول التغيير الغذائي إلى خطوة غير ضرورية أو غير متوازنة.
