تُعد السعرات الحرارية المصدر الأساسي للطاقة التي يحتاج إليها الجسم للقيام بوظائفه اليومية، بدءا من التنفس والهضم وصولا إلى الحركة والتفكير وممارسة النشاط البدني. وعندما يحصل الجسم على طاقة تفوق احتياجاته، فإنه يخزن جزءا من الفائض، بينما يؤدي استهلاك سعرات أقل من كمية الطاقة التي يحرقها الجسم إلى ما يعرف بعجز السعرات الحرارية.
ويُستخدم هذا المبدأ على نطاق واسع في خطط خسارة الوزن، إلا أن تطبيقه بطريقة شديدة أو غير مدروسة قد يؤدي إلى التعب ونقص العناصر الغذائية وصعوبة الالتزام بالنظام لفترة طويلة.
لذلك، لا يعتمد نجاح عجز السعرات على تقليل الطعام إلى أدنى حد ممكن، وإنما على اختيار مقدار مناسب من النقص في الطاقة، مع الحفاظ على وجبات متوازنة وتوفير العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاج إليها الجسم.
ما هو عجز السعرات وكيف يتم حسابه؟
السعرة الحرارية هي وحدة تستخدم لقياس الطاقة الموجودة في الطعام والشراب. ويحتاج الجسم إلى هذه الطاقة بصورة مستمرة من أجل الحفاظ على وظائفه الحيوية، مثل عمل القلب والتنفس وتنظيم درجة الحرارة والهضم والنشاط الذهني والحركة.
وبعد تناول الطعام، يقوم الجسم بتفكيك مكوناته وتحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام. وإذا تجاوزت كمية الطاقة المستهلكة حاجة الجسم، يتم تخزين الفائض، وغالبا على شكل دهون، إضافة إلى تخزين جزء من الطاقة في صورة غليكوجين.
أما عندما يحصل الجسم على سعرات أقل من احتياجاته اليومية، فإنه يبدأ باستخدام مخزونه من الطاقة لتغطية الفرق، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى انخفاض الوزن.
ولا توجد كمية واحدة من السعرات تناسب الجميع، لأن الاحتياجات اليومية تختلف باختلاف العمر والجنس والوزن والطول ومستوى النشاط البدني والحالة الصحية.
ويُستخدم عجز يومي قدره نحو 500 سعرة حرارية كقاعدة شائعة في بعض خطط خسارة الوزن، وقد يرتبط بفقدان يقارب 0.45 كيلوغرام أسبوعيا، لكن هذه النتيجة ليست ثابتة، إذ تختلف الاستجابة من شخص إلى آخر.
والأفضل عادة هو اعتماد عجز معتدل يمكن الحفاظ عليه لفترة طويلة، بدلا من تقليل السعرات بصورة حادة يصعب الاستمرار عليها.
وتشير بعض الإرشادات العامة إلى نطاقات شائعة عند اتباع أنظمة منخفضة السعرات، تتراوح بالنسبة للنساء بين نحو 1200 و1500 سعرة حرارية يوميا، وللرجال بين 1500 و1800 سعرة.
لكن هذه الأرقام ليست حدودا مناسبة لكل الأشخاص، وقد يحتاج البعض إلى كميات أعلى، خصوصا مع النشاط البدني المرتفع أو بعض الحالات الصحية، لذلك يفضل اللجوء إلى الطبيب أو اختصاصي التغذية عند الرغبة في خسارة وزن كبير أو عند وجود مرض مزمن.
ويمكن حساب العجز ببساطة من خلال معرفة إجمالي احتياج الجسم اليومي للطاقة، ثم تقليل جزء منه.
فعلى سبيل المثال، إذا كان احتياج الجسم 2000 سعرة يوميا وكان الهدف تحقيق عجز قدره 500 سعرة، يمكن الوصول إليه بعدة طرق.
يمكن خفض استهلاك الطعام إلى نحو 1500 سعرة يوميا، أو الإبقاء على استهلاك 2000 سعرة مع زيادة النشاط البدني بما يعادل نحو 500 سعرة، أو الجمع بين الطريقتين، مثل تقليل 300 سعرة من الطعام وزيادة النشاط بما يحرق 200 سعرة إضافية.
وغالبا ما يمنح الجمع بين تعديل النظام الغذائي والحركة اليومية مرونة أكبر من الاعتماد على تقليل الطعام وحده.
ما العوامل التي تحدد احتياج الجسم من الطاقة؟
يختلف معدل حرق السعرات بين الأشخاص تبعا لعدد من العوامل، من أبرزها معدل الأيض الأساسي، الذي يشير إلى كمية الطاقة التي يستخدمها الجسم للحفاظ على وظائفه الحيوية أثناء الراحة.
كما يلعب النشاط البدني دورا مهما، فالشخص الذي يتحرك كثيرا أو يمارس الرياضة بانتظام يحتاج عادة إلى طاقة أكبر مقارنة بمن يقضي معظم يومه في الجلوس.
وتدخل أيضا بعض الحالات الصحية في تحديد معدل استهلاك الطاقة، ومن بينها اضطرابات الغدة الدرقية وبعض الأمراض الهرمونية، مثل متلازمة كوشينغ.
ولهذا قد يكون استخدام معادلات حساب السعرات مجرد نقطة بداية تقريبية، بينما يحتاج بعض الأشخاص إلى تعديل الكمية بناء على تغير الوزن ومستوى النشاط واستجابة الجسم.
كيف تحققين عجز السعرات بطريقة صحية؟
لا يعني تحقيق عجز في السعرات الامتناع عن الطعام أو حذف مجموعات غذائية كاملة، بل يمكن الوصول إليه من خلال تغييرات تدريجية في العادات اليومية.
ومن أسهل الخطوات تقليل المشروبات الغنية بالسكر والسعرات، مثل المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والشاي المحلى وبعض العصائر، واستبدالها بالماء أو مشروبات غير محلاة.
كما أن شرب كمية كافية من الماء يساعد في الحفاظ على ترطيب الجسم، وقد يمنع الخلط بين الشعور بالعطش والجوع لدى بعض الأشخاص.
ويفضل أيضا اختيار أطعمة تساعد على الشبع، مثل الخضراوات والفواكه والبروتينات قليلة الدهون والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور بكميات معتدلة.
وتعد أنماط غذائية مثل حمية البحر الأبيض المتوسط أو نظام DASH أمثلة على أنظمة تركز على الأطعمة الكاملة والمتنوعة بدلا من الاعتماد على الأغذية شديدة التصنيع.
كما يمكن تقليل الاعتماد على الكربوهيدرات المكررة، مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض والمعكرونة العادية، واستبدال جزء منها بمصادر غنية بالألياف مثل الحبوب الكاملة والبقوليات.
وعند تناول الطعام خارج المنزل، يساعد الانتباه إلى حجم الحصص على التحكم في كمية السعرات، خصوصا أن بعض وجبات المطاعم قد تحتوي على كميات كبيرة من الدهون والصلصات.
وقد يكون بدء الوجبة بطبق من الخضراوات أو شوربة خفيفة خيارا يساعد على الشعور بالشبع قبل تناول الطبق الرئيسي.
كما تفيد قراءة الملصقات الغذائية في معرفة حجم الحصة وكمية السعرات والسكر والدهون الموجودة في المنتجات، ما يسهل مقارنة الخيارات المختلفة.
ولا ينبغي إهمال البروتين في الوجبات، إذ يساعد على الشعور بالشبع والحفاظ على الكتلة العضلية أثناء خسارة الوزن.
ويمكن أن يتضمن الإفطار، على سبيل المثال، الزبادي اليوناني مع التوت، أو البيض مع الخضراوات، أو وجبة تحتوي على مصدر مناسب من البروتين إلى جانب الحبوب الكاملة.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من المبالغة في تقليل السعرات. فالعجز الكبير قد يؤدي إلى نقص الفيتامينات والمعادن والبروتينات الأساسية، إلى جانب الشعور المستمر بالتعب والبرد والخمول.
كما يمكن أن يسبب الانخفاض الشديد في تناول الطاقة صعوبة في التركيز، وقد يؤدي فقدان الوزن السريع جدا إلى زيادة احتمالية الإصابة بحصوات المرارة لدى بعض الأشخاص.
وقد يؤدي الهوس المستمر بحساب السعرات وتقييد الطعام بصورة صارمة إلى علاقة غير صحية مع الطعام أو زيادة خطر اضطرابات الأكل لدى الأشخاص المعرضين لذلك.
لذلك، تبقى الطريقة الأكثر استدامة لخسارة الوزن هي اعتماد عجز معتدل، مع الاستمرار في تناول وجبات متنوعة توفر البروتين والألياف والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن.
ولا ينبغي أن يكون الهدف خسارة الوزن بأسرع وقت ممكن، بل الوصول إلى نمط يمكن الاستمرار عليه مع الحفاظ على الطاقة والصحة والقدرة على ممارسة الحياة اليومية بصورة طبيعية.
